الفصول الخمسةالفصل الأول

1 من 2 · 6 دقيقة

الفصل الأول

كاد يحلّ الربيع مجددًا للمرة التاسعة عشرة في حياتي، فصلٌ يوصف بجماله كلما رُوي عنه شيء، كونه يمثّل الشباب وأفضل مراحل حياة الإنسان، إنه رمز الحياة الخالد بالنسبة للبعض، غير أني لا أفضّله كغيري، فالخريف من أقرب الفصول لقلبي، حيث تعود فيه بنات الشجر للأرض، تنتهي دورة الحياة تلك، لا أنفكّ أرى الطبيعة تقلب صفحة حياتها البالية، كما أفعل أنا في كل فصل، غير أني لا أتوافق إلا مع تلك الأشهر الثلاثة. ثمانية عشر ربيعًا مرّت بي ولم أُحدث في هذا الواقع ما أردت، مرّت بطبيعية فائقة، بدا كما لو أن الزمن كان يقذف بي دومًا نحو الأمام كما يفعل مع الكل، كان أقسى ما واجهت، لم أمرّ ببؤس إلا ورميته له ليعالجه، كان يحرق كل شيء ولا يترك منه إلا رمادًا في كل مرة ألجأ إليه، هذا طبيعي جدًّا، كما هو الحال بالنسبة للربيع التاسع عشر…

هذا ما كتبته آنذاك في مذكّرتي، على حافة نافذة من الطابق الثاني، وبردٌ قارس يجعل الكتابة صعبة، لكن المنظر كان يستحق ذلك، فأنا أرى آخر أيامك أيها الشتاء، سينتهي هذا قريبًا هكذا صِحت بينما أنا في رحلة بعيدًا عن الديار.

عدت للمنزل بعد وقت قصير لألجأ إلى مكتبي الفوضوي حيث أضع كافّة تفكيري، جلست على مقعدي وشغّلت حاسوبي بعد فراق طويل، ومسوّداتي منتشرة من كل جهة، لا أضع يدي على السطح إلا لأجدها وقعت على إحدى الأوراق التي ملأتها معادلات غريبة وعبارات غير مفهومة، إلا من قِبلي طبعًا. كان ذلك المكتب هو المكان الوحيد حيث تشعر كل خلية في جسدي بالاستقرار، ويبدأ عقلي بالعمل على أدقّ نحو. لكن إلى متى سأفكّر؟ هل هناك غاية حقًّا؟ لطالما راودت عقلي هذه التساؤلات، مفتقرةً لأيّ إجابة واضحة، وفي كل مرة أتمتم لنفسي ببضع الجمل المبهمة كي أغلق على نفسي مجال الانغماس، لكن ليس في هذه المرة، لم أُرد للربيع الثامن عشر أن يتكرّر، الذي طابق الذي سبقه والذي تلاه، نسخٌ واضح في الفصول، كنت أتقدّم كدالّة خطّية حتى تلك اللحظة، حيث رفعت مسوّدة لي وبدأت أقرأ تلك المعادلات والرموز عليها، واحدة تلو الأخرى، سطرًا تلو السطر، كانت كثيفة، إلا أني بدوت سأطّلع عليها كلها، حتى وضعت آخر واحدة. كانت كلها عن الأبعاد ونظريات الأوتار الفائقة وتوحيد القوى الأساسية للطبيعة، كانت محاولتي الفاشلة لإحداث تغيير في الواقع عبر بضع معادلات، ورغم أن الأمر بدا خيالًا علميًّا، غير أني تمسّكت بالفكرة وآمنت بأني سأفعل شيئًا كذلك يومًا ما. لم أستطع الإجابة على تساؤلاتي حتى بعد أن قرأت كل مسوّداتي، كانت الإجابة واضحة، كان عليّ التوقّف، فأنا أهدر ربيع حياتي في التفكير والتخطيط، وهذا يشكّل على كتفي عبئًا يتضخّم يومًا تلو الآخر. أحسست للمرة الأولى أني أسير في طريق مسدود، وأني على وشك فقدان آخر ما كان لي في الحياة سببًا، لذلك قرّرت أن أجعل ذاك اليوم يوم الحسم، حيث سأُسقط الحجر الأول من سلسلة الدومينو.

فرفعت حاسوبي عن المكتب ووضعته جانبًا لأنشر أوراقي كلها على المكتب، وأترك لذلك المساحة الأكبر، وأُخرج حزمة من الأوراق البيضاء الفارغة، وأمسك قلمي بحرارة، وأبدأ العمل مجددًا على النهج نفسه الذي اعتدته، بتحليل كل تلك المعادلات وتصحيح الجوانب الخاطئة والغوص أعمق وأعمق في سحر الصيغ الرياضية. مرّت أربع ساعات ولا أزال في غرفتي أتنقّل بين جدرانها مثبّتًا عليها أوراقي لأشكّل تسلسلًا واضحًا من الأفكار، حتى ملأت الغرفة كلها، وكانت عندها قد مرّت ثلاث عشرة ساعة منذ أن بدأت، متوقّفةً بذلك قدماي عن حملي، ومستلقيًا على السرير، وعيناي تجولان في الغرفة بكل شغف، غارقًا في حبّ تلك التمثيلات الرياضية الأخّاذة وهي تصف حقيقة الوجود. لكني كنت أشعر بنقصٍ ما في هذه اللوحة، قطعةٍ ما غائبة عن هذه الحفلة الراقصة، لكني لم أهتمّ لأني لم أبلغ هذا الحدّ من قبل، فقد كنت أفقد حبل التركيز في كل مرة أُشارف فيها على إنهاء ثلاث ساعات من العمل، لسبب من الأسباب الداخلية أو الخارجية منها، لكن في مرّتنا هذه وضعت حياتي على المحكّ، فقد بدا لي مصيري يقبع في نهاية ذاك اليوم الذي سيدوم طويلًا.

لم أُنهِ عملي بعد، فقد كان عليّ ترجمة كل ذلك للغة يفهمها الحاسوب حتى أحصل على نتائج عملية. وكي أقرّب لكم الصورة، فتلك الصيغ والمعادلات كانت تمثّل وتصف أشكالًا هندسية يُفترض أنها تتربّع خارج بُعدنا، وتتجاوز حدود قوانيننا المعهودة، وتُبطل تأثير الاحتمالات عليها. أعلم أن الأمر يبدو معقّدًا في البداية، لكني أشعر بالغيرة منكم كونكم سترافقونني في رحلتي تلك، وتكون لكم فرصة رؤية كل شيء من كل الزوايا كما اعتدتم. فأعدت حاسوبي للمكتب وشرعت في العمل عليه وتحويل كل ذلك، لقد كانت تلك أصعب مرحلة، فقد كنت أعتقد أنني سأتوقّف في كل مرة أصل فيها لطريق مسدود والنعاس يغشى عينيّ، لكن، وكما ذكرت، فقد راهنت بكل شيء على ذلك اليوم، أردت أن أعرف أيّ طريق سأتّبع في المستقبل، وقد أنهيت ذلك فعلًا، أنهيت التحويل في سبع عشرة ساعة، وفور أن ضغطت زرّ الحفظ، أطفأ عقلي كل أنظمته من الإرهاق، وغططت في نوم عميق، فلم تتسنَّ لي فرصة تجريب ذلك حتى، بل أيقظني أبي في اليوم التالي وقد تأخّرت عن المدرسة، ولم أفكّر في شيء حينها سوى بلوغ قاعة الدرس قبل فوات الأوان، فالمعهد حيث كنت أدرس كان جحيمًا على الأرض من ناحية القوانين. ومضت الثواني موازيةً لدقّات قلبي، ولهفتي في الخروج وتجربة عملي لم يكن لها حدود بشرية. حتى آنت اللحظة التي هرعت فيها مسرعًا واستقللت الحافلة للمنزل، فاتحًا باب غرفتي بشغف غير معهود، سرعان ما تلاشى بعدما لم أجد حاسوبي، وأسأل أمي إذا ما رأته في مكان ما فتجيبني لا أذكر أنك تملك حاسوبًا جديدًا بعد الذي تعطّل قبل سنة… لقد كانت تقصد حينها حاسوبي القديم الذي لم يكن يعني لي شيئًا حينها، لكن دماغي كان مشلولًا وعجزت عن التحليل، فدخلت أتفقّد الأوراق التي ثبّتّها على الحائط، ليصطدم عقلي بما أرى، وأعجز عن النطق إلا بـ{…