الفصول الخمسةالفصل الثاني

2 من 2 · 7 دقيقة

الفصل الثاني

ما بال هذه الفراغات؟ من مزّق خطاطاتي؟ هل هي مؤامرة؟ هل يمقتني الكون حقًّا؟} لا بدّ أنك تعتقد أني أبالغ، لكن الطريقة التي كانت ممزّقة بها لم تكن بتلك العشوائية التي تتوقّعها، لقد كانت متقنة كي تحول دون ربط الأفكار وإعادة جمع الصور. ملأ الإحباط عينيّ، والأسى يداهم قلبي، أنّى لمجهود بتر منّي الإحساس أن يذهب في مهبّ الريح؟ أنّى لحلم أن يتلاشى في ضوء النهار؟ بدأت أضحك ونفسي كالمجنون، والكل يراني، لا أبالي، أردت لوحتي، أردت رسمتي، أردت ذلك الشغف الذي جعل الأمل يهمس في أذني من جديد. أنهيت يومي على إيقاع الأماني، ولا فكرة لي عمّا حصل حتى استيقظت للمدرسة في اليوم التالي، أحدّق في لوحتي الممزّقة وأتوجّه للمدرسة دون أن أنطق بكلمة، فالألم جعلني عاجزًا حينها، وتركيزي مفقود بالكامل، لم أكن أكلّم أيّ أحد على الإطلاق سوى عائلتي، والتي لم تُبدِ اهتمامًا كبيرًا بالموضوع كما لو أن شيئًا لم يحدث، ولكان الأمر أثار فضولي لو لم أكن في قعر اليأس.

انطوت أربعة أيام على بعضها وأنا أحاول في كل مرة تكرار تلك المعجزة فلا أُفلح طبعًا، حتى قرّرت أن أتخلّى عن الفكرة وأكمل حياتي من حيث تركتها، فأنا توقّفت عن التركيز أثناء الدروس وما عدت أكتب شيئًا، لذا اعتقدت أن التفكير بذلك سيعيق مهامي اليومية، فخلدت للنوم كعادتي، واستيقظت صباحًا في اليوم الخامس بعد الحادث، لأتناول فطوري بشكل طبيعي وأبلغ المدرسة في مزاج يبدو أفضل مما سبقه. بدأ الدرس وأخرجت قلمي لأكتب تاريخ اليوم، أدركت أنه يوم الجمعة لكني لم أعرف رقم اليوم، فرفعت رأسي لأتفقّده على شاشة العرض بقاعة المحاضرة، لكني أتفاجأ وتعلو وجهي ضحكة ساخرة، وألتفت نحو أحد رفاقي قائلًا باستهزاء أترى ذلك؟ يبدو أن المدرّس يعيش في الماضي، مسجّل لديه الإثنين، ولكن اليوم الجمعة… مضيفًا "لا بدّ أنه يخشى الزمن"، نظر إليّ لثانية ليدفع بقهقهة عالية كادت تكلّفه الإقصاء من المدرّج، غير أنه تمالكها بصعوبة متوجّهًا لي بالكلام لم أدرِ أن لك حسًّا فكاهيًّا لهذه الدرجة… أو لربما لم تشرب قهوتك الصباحية مجددًا…، تجمّدت ملامحي في استغراب، وكل ما جال بخاطري هو أن صديقي قد فهم المزحة بطريقة أخرى، فسحبت هاتفي من جيبي في هدوء، رغم منعه أثناء الدرس، وذلك حتى أتفقّد تاريخ اليوم، لكني أطلت النظر، ظللت أنظر فيه، وليست ملامحي وحدها المتجمّدة، بل إني تسمّرت في تلك الوضعية وجسدي يأبى التحرّك، كان مكتوبًا الإثنين 23 فبراير، وما جعلني أدخل في نوبة الهلع هو أن هاتفي متّصل بالشبكة، وهذا توقيت عالمي لا مجال فيه للخطأ. عدت مجرّدًا للشرود الذهني وأنا لا أنفكّ عن محاولة تحليل ما يجري، عدت مسرعًا للمنزل حتى أستفسر عائلتي عمّا حدث في الأيام الأربعة السابقة، لكني وجدتهم يجيبونني كأن البارحة كان أحدًا، لكنه لم يكن، بالنسبة لي على الأقل، لم يملكوا أدنى فكرة عمّا كنت أتكلّم عنه من ذكريات الأيام الأربعة، حتى خُيّل إليهم أني مصاب باضطراب ما، فتوقّفت عن مناقشة ذلك مدّعيًا أنها مجرّد خدعة وتحليل نفسي أجريه. فأدخل غرفتي وأغلق الباب وآخذ نفَسًا عميقًا مرة ومرتين، ثلاثًا، أربعًا، ليعبُر الأكسجين مجاري الدم ويبلغ رأسي، وأرى ما رأيت، أرى صورة ما يجري تتشكّل في رأسي، فأمسكت قلمًا وصرت أكتب كل نظرياتي وتوقّعاتي حول هذه الأحداث الغامضة على سطح مكتبي الجديد، مضحّيًا بجماليته ورونقه مقابل إثبات ذاك الجنون. حقًّا فعلت، وخلدت للنوم بصعوبة بالغة، فلا تحاول إقناعي أنك ستنام بشكل طبيعي وأنت متقدّم على عالمك بخمسة أيام، لكني غفوت واستيقظت قبل موعد المدرسة المعهود بساعتين، وقصدت مكتبي لأرى خربشاتي، لكن كل ما يبرز لي هو سطح مصقول بلون بنّيّ داكن جميل لا يمسّه أيّ خدش. لقد عاد رونق مكتبي وثبتت نظريتي، فغمرتني سعادة غريبة، وخفق قلبي بنغمة عجيبة، وبدأت كل أحلامي تتفتّح أمام عينيّ بألوان زاهية، مستمرًّا في فيلم الأمل ذاك ساعتين كاملتين، ليقطعهما والدي بفتحه باب غرفتي مستغربًا كوني مستيقظًا متربّعًا على كرسيّ في هدوء. تذكّرت حينها أنه الإثنين مجددًا، وليس السبت كما برمج عقلي، فقد أحبطني ابتعادي عن مكتبي. وفي سيري للمدرسة بدأت الزهرة السامّة بالنموّ في عقلي بتروٍّ، وإدراكي لما قد يصاحب ما يجري من أهوال، وأني لا أمرّ بتجربة علمية أو مسلسل خيال علمي إني عالق هنا صِحت بتلقائية دون أن أجذب انتباه المارّة. فقضيت يومي الأول المكرّر بإدراك منّي، على عكس الأربعة الفارطة التي مرّت بطبيعية، والثاني والثالث، فاستوقفتني تلك الأحداث، وكل ما شرعت به هو تدوين ملاحظات في عقلي حول ما يجري، رغم أني صُدمت بعدم وجود أيّ تكرار جليّ على مستوى العلاقات الاجتماعية، عكس الدرس الذي تكرّر بشكل حرفي، فكانت أول ملاحظة أُبديها هي الفرق بين هويّتنا كبشر محبّين للتجديد، والنظام التعليمي الذي يرتكز على التكرار الحرفي وقتل إرادة الإبداع. شغفتني هذه الملاحظة، وأدركت أني قد أتعلّم ما لا يُستهان به حول المجتمع والطبيعة البشرية، وربما العلوم كلها، كوني أملك من الوقت ما لم أقدّره.

مررت بقرابة الأسبوعين وأنا أكرّر الشيء نفسه في جمع الملاحظات داخل عقلي، كوني كنت أفقد أيّ أثر مادي بين اليوم والآخر، حتى وفي ذاك الإثنين، أعود وأصدقائي في طريقنا نحو البيت، ليتقدّم أحدهم خطوة مسرعة متهوّرة للشارع، فيلقى حتفه على يد شاحنة مسرعة. كان المشهد دمويًّا، وكل من بالجوار يصرخ، تمالك بعضنا نفسه واقفًا في حيرة، والآخر فقد صوابه وبدأ بالصراخ وطلب النجدة بدوره، أما أنا فلم أُشِح ناظري عن ذاك المشهد في فراغ دامس، ولم يجل بخاطري سوى متى سينتهي هذا اليوم-الكابوس؟، ظللت متيبّسًا هناك حتى حضر والداي ليُقلّاني، وعيناي تغوصان في فراغ أبديّ، وكل ما أريده هو مرور الدقائق، وأن يعيد هذا اليوم نفسه كما اعتدت، لكن الدقائق بدت أقرب إلى العقارب الحقيقية بسمّها الذي كانت تدسّه في كياني. لم أحتمل المكوث أكثر بهذا الكابوس، وأويت لغرفتي متحدّثًا لنفسي والدموع تنهمر من عينيّ هيا أيها الكون، لقد ضقت ذرعًا بهذا اليوم، جدّده من فضلك. لا تتصرّف كما لو كنت لا تسمعني، هيا أرجوك…، حاولت الخلود للنوم حتى أحقّق ذلك، لكن المشهد كان متمثّلًا أمام عينيّ بتلك الدقّة المميتة، ففكّرت أن الوقت حان كي أُزيح الستار عمّا تجاهلته طويلًا، حان الوقت لنتعرّف على قوانين هذه اللعبة وكيف تعمل، لكن بعد أن ننهي هذه المأساة أولًا، ثم أبدأ من جديد. فاستمررت في عنائي ذاك حتى تخطّفني النوم ليلًا، واستيقظت صباحًا في الإثنين نفسه مجددًا، وثقة تملؤني كوني سأرى صديقي وأحذف نذير الشؤم من ذاكرتي. ارتدت المدرسة دون حتى شرب قهوتي، فألتقي بمجموعتي وأنا أسألهم عن مكانه، فيشير أحدهم بإصبعه لليمين قائلًا انظر هناك، إنها آلة المشروبات، أنصحك بقهوتك الصباحية، فلا يبدو أنك بخير مضيفًا وبالمناسبة، لا يوجد أحد معنا بهذا الاسم الذي تذكره…