حياة ميتالفصل الأول

1 من 7 · 8 دقيقة

الفصل الأول

حان الوقت مجددًا لنغوص في أحد الأكوان المرعبة، لكن هذه المرة لن نبتعد كثيرًا، هذا المكان هو أكثر الأماكن إثارة على الإطلاق. تسألني لمَ لمْ أزره قبلًا رغم قربه؟ لأنني كنت أخشى أن أخطو فيه من شدّة هوله، كان الرعب يشحذ تفكيري كلما دنوت نحوه، لكني في هذه المرة قد تخلّيت عن كل شيء، وقد راهنت بوريدي أن أنقل لكم هذه القصة، وإن كانت آخر ما ألفظ به، فسأرسم لكم لوحة الألم تلك بألوان باهتة وبكل تفاصيلها البشعة، ولن أترك بقعة إلا ولوّنتها. أنا الآن فقط أحاول تنبيهك بطريقة غير مباشرة إلى هول القادم، أنا لا أريد معي في هذه الرحلة شخصًا يمتلك شعلة الأمل تلك في قلبه، فنحن سنغوص معًا في رحلة اللاعودة، حيث كل الأنوار مطفأة، فهذه المرة أنا لن أكبح جموح الظلام القابع داخل رأسي، سأترك الألم يعيث في رأسك خرابًا، لنرى هل الليل أكثر ظلمة أم عقلك.

المطر غزير بشدّة اليوم، تكاد لا ترى شيئًا أمامك غير صور خابية للأبنية والأشخاص حولك، يضرب البرق بشكل مفزع ليضيء المكان لثانيتين غير مكتملتين، فتبدو فتاة صغيرة في نهاية الطريق تتّكئ على الحائط، وبيدها دمية شقراء تبدو ممزّقة، تنظر إليها في حالة مستقرّة دون أن تحرّك ساكنًا، تأبى الاحتماء من قسوة المطر، وكل ما ترتديه ملابس تبدو غريبة وبالية، بعيدة كل البعد عن أن تكون للدفء وسيلة. أقترب أكثر منها في هدوء فلا تحرّك ساكنًا حتى أبلغها، أكلّمها فلا تجيبني، أكرّر وأكرّر، وكل محاولاتي تبوء بالفشل، شعرت كما لو أني أكلّم قطعة من الرخام القديم، ظللت واقفًا هناك أنظر إليها والحيرة تعبث بعقلي، فما كنت أدرك حينها أن العالم تتخلّله أمور كالتي سأعيشها. ظلّ تركيزي يعوم في فراغ دامس حتى اندلع صوت صافرة فظيع يخترق وعيك كخنجر مدبّب، صوت لم ينتهِ إلا وأنا واضعٌ يديّ في أذنيّ، ليتبعه صمت وحركة من الفتاة كانا كافيين لجعلي أخطو للوراء في ريبة. فبدأت الفتاة تتحرّك ويداها متدلّيتان وقدماها بالكاد تحملانها، تتمايل وتتّجه نحوي ورأسها يرتفع في بطء شديد، إني أجد نفسي الآن أصف حالة الزومبي في أبهى دقّتها، تلك العينان الفارغتان تحدّقان بي، ودقّات قلبي تدنو شيئًا فشيئًا، هل يمكن أن يكون هذا حاصد الأرواح؟، تذكّرت نفسي لوهلة واستجمعت قواي مردّدًا كيف يُعقل أن أخشى فتاة صغيرة؟ حاصد أرواح؟ حقًّا؟ لا بدّ أن كثرة العمل أفقدتني عق-…، أجل، أنا لم أكمل جملتي، فلا وجود لفتاة بعد الآن، لا شيء أمامي، والبرق يستمرّ بإلقاء ضوئه الخاطف في الأرجاء فلا ألمح شيئًا، هذا لا يُعقل، أنا دخلت هنا لأرى فتاة صغيرة أشفقت عليها… هذا لا يبدو منطقيًّا صِحت بشكل متذبذب، ماذا تعني بالفتاة؟ ألم ندخل هنا لاختصار الطريق؟ صوت آخر يحدّثني ويده الباردة على كتفي تجعلني أستدير، وأرى صديقي الذي كان يرافقني في خرجتي تلك الليلة، فأخبره أنه على حقّ، وأن كل ما حصل آنذاك كان تخيّلًا وادّعاءً منّي في محاولة فاشلة لاختلاق حدث خيالي وإضافة قليل من الإثارة على حياتي البائسة. كلّا، ليس بعد، ليس بما يكفي، هذا ما قاله الغراب.

أكملنا طريقنا نحو المنزل، فقد كنّا نتقاسم منزلًا ثلاثتُنا، لكن ثالثنا لم يكن يدخله إلا نادرًا. فخلدت إلى غرفتي وألم فظيع يتخلّل وسط ظهري لسبب غير مفهوم، استلقيت على ظهري وذهني غير قادر على التفكير كعادته، قرّرت أن أضبط المنبّه كما اعتدت، لكن مهلًا، على ماذا اعتدت؟ هل أستيقظ باكرًا حتى؟ أجل، هذه كلها تساؤلات مجنونة راودتني، إلا أني كنت فقط ألعب دور المصاب بفقدان الذاكرة، فأنا لم أنسَ شيئًا. ضبطت المنبّه هذه المرة بشكل طبيعي، وغصت في نوم عميق تخبّطت فيه بمختلف الأحلام كعادتي، الأحلام المرعبة والبشعة، أحلام أموت في كل مرة فيها بطريقة ما، لكني لم أنزعج، فقد اعتدت على ذلك. لم يوقظني من حفرة الظلام تلك إلا صوت رفيق سكني الذي أسقط شيئًا ما على الأرض. قمت من الفراش والألم يصدّع رأسي كما هي العادة، ورغبتي في الوجود تلامس الأرض كما هي العادة أيضًا، لكن هذه المرة أنا لم أتذمّر أو ألعن وجودي، فقد تأخّرت عن المدرسة ولم أجد وقتًا لذلك، حتى أني لم أشرب قهوتي التي أعتبرها شيئًا مقدّسًا. أخبرت الثلاثة المتواجدين بالمنزل أني قد لا أعود، وقصدت الجامعة وأنا لست في أتمّ وعيي بسبب قلّة النوم وعدم تعاطيّ للكافيين، ذلك المركّب السحري. ولحسن حظي فقد بدأ المطر بالهطول بعد بضع دقائق من خروجي، تصحبه رياح قاسية تكاد تعيقني عن الحركة، والطاقة هي الشيء الذي لم أكن أمتلكه حينها، أو بالأحرى لم أمتلكها يومًا، فقرّرت المكوث عند موقف الحافلات حتى ينتهي المطر أو ينتهي أمري. أدخلت يدي في حقيبتي وأخرجت دمية لطالما احتفظت بها، دمية بشعر أصفر ذهبي، أكل منها الزمن حقّه، دمية امتلكتها شقيقتي الصغرى التي فارقت الحياة قبل ثلاث سنوات، دمية أعطيتها إياها وهي في سنّ الثالثة، وظلّت عندها عشر سنوات، وقد كانت أعزّ ما تملك، والآن أنا أرى فيها أختي، وقد كانت آخر شيء في هذا الوجود يحفّزني لكي أبكي، بعد أن ماتت عاطفتي من زمن بعيد. وأنا أحدّق بها هذه المرة خطر ببالي شيء غريب، شيء أوقف تدفّق الزمن لديّ، كلّا، كان محض إحدى خيالاتي مجددًا. ألقيت نظرة على ساعتي فإذا بي أجدني قد تأخّرت بما يكفي لئلّا يُسمح لي بولوج قاعة الدرس، وبما أني لم أكن في مزاج جيد، ولا أذكر أني كنت في واحد قبلًا، قرّرت أن أستقلّ الحافلة إلى مكان بعيد وهادئ أشرب فيه فنجان قهوتي وأحدّق في المطر كما أفعل في العادة. وصلت الحافلة بعد دقائق معدودة من اتّخاذي لهذا القرار، وقد كانت متّجهة بسرعة عالية لم يوقفها إلا جسد إحدى العجائز، أجل، صدمت امرأة عجوزًا جاعلةً معظم أجزاء جسدها تتطاير، ولحسن حظي أني لم تلمسني بذلك الدماء، بل كل ما أغضبني في الأمر هو أن هذه الحافلة لا يوجد منها إلا واحدة، وهذا يستلزم بشكل مباشر أني لن أستطيع بلوغ مكاني جالسًا، فنظرت لرأس العجوز الملقى بجانبي، محدّقًا في عينها وقائلًا في احتقار ألم تستطيعي الموت لاحقًا؟. لذا قرّرت أن أعتمد على قدميّ وأبلغ مكاني مشيًا وسط المطر، فلم يكن هناك شيء يمنعني آنذاك، فاستمررت بالمشي لثلاث ساعات متواصلة حتى بلغت مرتفعًا عليه مقهى مريب لا يحبّه، أو بالأحرى لا يعرفه أغلب البشر، كل ما كان هناك بضع قطط وكلب وحشرات ميّتة بجوار النوافذ، أجل، وعجوزان في حوافّ المقهى، الأول نائم والآخر موجود بالكاد، وقد كان للأرواح مقاعد أيضًا، فقد كانت مقبرة تقبع بجوار المقهى، لكني كنت أمزح بخصوص الأرواح، فلا وجود لها. ناديت على قهوتي الاعتيادية، ووضعت بصري على الطاولة بشكل عبثي، لأقرأ جملة غريبة مكتوبًا فيها ألم تستطع الحياة لاحقًا، جعلتني أبتسم فأضحك كالمجنون، طبعًا لم يكترث أحد لي، أظنّ أنك تعرف لماذا، لأنها كانت عادتي أيضًا. أدخلت يدي في الحقيبة لأُخرج دمية أختي وأضعها قبالتي كعادتي، إلا أني لم أجدها، بحثت مرارًا وتكرارًا ولم أجدها، فاستنتجت أني أسقطتها بعد حادثة العجوز تلك، جعلني ذلك أضع يدي على رأسي وأفكّر مليًّا بأن ألحق بأختي، وصِحت بذلك عاليًا، إلا أنه مجددًا لم يكترث أحد، بل كل ما فعله النادل هو تمرير القهوة لي، وسألني هل يضع فيها شيئًا يُنهي حياتي، فقلت له ليس بعد، لا أزال لم أفقد كل شيء، لا أزال أمتلك دمية أختي العزيزة، لا أزال أستطيع البكاء، افعل ذلك عندما لا أستطيع فيجيبني بسلاسة أني قد فقدت الدمية، وكل ما أفعله الآن هو التهرّب من الموت من دون فائدة. كان الحديث طبيعيًّا جدًّا، فقد كنّا نخوضه كل يوم تقريبًا. أنهيت قهوتي وبتّ أتأمّل في المطر، وأنا أجد دمية كتلك التي فقدتها فوق الطاولة، لكن هذه المرة لم أكن وحدي على الطاولة…