
2 من 7 · 6 دقيقة
الفصل الثاني
لقد كانت الفتاة الصغيرة من البارحة، صاحبة العينين الفارغتين، تحدّق بي بهما في هدوء يشدّ الأنفاس، وهي تحرّك دميتها نحوي ببطء وتسحبها. لم أعرف حينها ما أفعل، فكل مناطقي العصبية قد شُلّت، إلى أن نطقت بجملة ستقلب كل شيء رأسًا على عقب، لماذا أنت مرتعب هكذا؟ ألا تذكرني؟ أنا أختك… توقّفت أعصابي عن العمل، ورائحة الموت كادت تفوح منّي، وباطن عقلي يصيح كلّا وألف كلّا، أختي ماتت منذ ثلاث سنوات، لقد سمعت بأذنيّ هاتين صوت الصافرة الذي أعلن توقّف نبضاتها، إنه لا يزال يرنّ حتى الآن في رأسي، صوتٌ انتحر جرّاءه كياني في داخلي، صوت بتر الإحساس من جسدي.، كنت أرتجف كالمُدان ينتظر الحكم عليه. طبعًا يوجد في الأمر شيء مريب، لا يمكن لأيّ شخص واعٍ أن يصدّق ما يُقال له من المرة الأولى، ويجعله يفقد يقينه كما فعل معي، كان لا بدّ من وجود جزء مفقود في السرد، فلم تكن الدمية تشبه دمية أختي، بل كانت هي، بكل تفاصيلها وقطعها الممزّقة، وذاك القميص الذي على الفتاة أذكر بكل وضوح ارتداء أختي له قبل موتها. لم أستطع حينها تقبّل هذه الحجج، فبقدر ما أحببت أختي يومًا، لم أُرد رؤيتها ذاك اليوم، ولا في أيّ وقت لاحق لقد تقبّلت فكرة رحيلك، دفعت ثمنها بعملة الوجود، أنتِ الآن شريط من ذاكرة مفقودة، لا توقظي وحش الألم ذاك، أترجّاكِ، لا تقابليني بهذا الجسد النحيل البالي، هل أكل التراب منكِ؟ أم أنه أكل من عينيّ؟ نطقٌ كالهلوسة تسرّب من شفتيّ، وهي في عينيّ تجد مستقرًّا لها، تأبى أن تغادرهما بكل غطرسة، فتقول ألن تمسح على رأسي كما اعتدت؟ لقد سئمت برودة هذه الجهة، لقد التهمت الوحدة عقلي والأرض عظامي، لقد مكثت هنا طويلًا، بجوار مقهاك المفضّل…
استمرّت في تكرار تلك الجملة مرتين أو ثلاثًا وأنا لا أحرّك ساكنًا، إلى أن أتى شخصان لم أستطع تذكّر وجهيهما حتى، بدَوَا لي كوالديها، فاصطحباها في هدوء أشدّ رعبًا من مجريات الأحداث، شدّ انتباهي، ولم أستطع أن أُشيح بصري عنهم وهم يغادرون المقهى. استمررت في حالة الشلل الفكري تلك لوقت لم أستطع إدراكه، حتى حنيت رأسي بشكل عبثي نحو الأرض لألمح دمية الفتاة وقد أسقطتها على الأرض، فالتقطتها في لهفة متّجهًا بها نحو الخارج، أبحث عنهم لأعيدها، فما وجدت شيئًا غير الكلب والقطط المعهودة، لذا عدت بها للنادل طالبًا منه أن يتركها عنده إلى أن تعود تلك الفتاة المجهولة وتأخذ دميتها بعيدًا، فنظر إليّ وقال بنبرة ساخرة هل ستتركها هنا مجددًا؟، لم أُعِر انتباهًا حقًّا لما قاله آنذاك، كل ما أردته هو مساعدة الفتاة ومغادرة المقهى للحصول على قسط من الراحة، فقد أنهكتني هذه الأحداث الاعتيادية.
خرجت من المقهى ونزلت الدرج ببطء شديد كعادتي، وصدري يشدّني بعض الشيء، لكني تجاهلته واستمررت في طريقي الطويل نحو المنزل مشيًا. كان عقلي حينها أكثر فراغًا من الفراغ نفسه، وكل ما أحسّ به هو ألم في صدري ووسط ظهري كما اعتدت، سرت ساعة وبضع دقائق وأنا أتمايل كالمغشيّ عليه في الطريق، متجاهلًا كل شيء، حتى بلغت الذروة، فقرّرت الاتّكاء قليلًا عند موقف حافلات قريب منّي وأنا أقول هذا غير اعتيادي…، فما إن جلست حتى بدأت عيناي بالانغلاق تدريجيًّا حتى غصت في نوم عميق…
لم أفتح عينيّ إلا على ضوء أبيض ناصع فوقي ورأسي ممدود، لم أعرف ما حلّ بي، كلّا، لقد أدركت تمامًا ما يجري، لقد أدركت أنه قد تمّ نقلي لغرفة المستعجلات بعد أن فقدت وعيي، فصوت نبضاتي في آلة القياس كان يبدو كلحن لأذني، وتلك الرائحة المألوفة تبدو أقوى الآن من أيّ وقت مضى، رائحة تشتمّها كلما زرت ذاك المقهى، أجل، إنها رائحة الموت تداعب أنفي، إن الموت نفسه قد اختارني اليوم له أنيسًا. أتمسّك بوعيي كما يتمسّك القائد بكذبته، أدرت عينيّ بصعوبة لأرى هناك والديّ خارج الغرفة يحاوران الطبيب، وكذلك ها هو صديقي الذي أأتمنه على كل أسراري، والذي نسيت اسمه، يقف هناك. لقد تعبت حقًّا من الحفاظ على وعيي، أظنّني سأخلد للنوم مجددًا، فذلك أفضل، آخر ما سمعته آنذاك هو تلك الصافرة مجددًا، صافرة طويلة الأمد يستمرّ صداها في رأسي ما حييت.
فتحت عينيّ هذه المرة وأنا في كامل وعيي، ممدودًا على سريري الدافئ في المنزل، أرى السقف العزيز على قلبي الذي اعتدت أن أستوحي منه معظم إلهامي، لم أعتقد حينها أنني قد أراه مجددًا، وكذلك لوحةٌ لي تتوسّط الغرفة. ناديت والديّ فور أن استيقظت، فلم تمرّ ثانيتان حتى رأيتهما بجواري، فباشرا بالكلام بشكل متناوب وتفسير الوقائع بدقّة ليُزيلا الإبهام البارز على وجهي، خوفًا منهما أن يزيد ذلك الطين بِلّة، فقد كنت أمقت الإبهام.
لقد أُغمي عليك في الشارع، ولولا أن رآك أحد المارّة لما وصلت المشفى في الوقت المناسب، لقد أُغمي عليك هذه المرة للسبب نفسه الذي أُغمي عليك لأجله في المرتين السابقتين، لقد حدث معك فشل في عضلة القلب مما أدّى لنوبة قلبية تمّ تداركها هذه المرة أيضًا، لكن حدّتها كانت عالية. أنت تضغط على نفسك بشكل لا يُصدَّق، توقّف عن أخذ الأمور بهذه الجدّية، فكل ما تفعله الآن هو انتحار بطيء، بضع مرات أخرى ولن تفتح عينيك إلا وأنت في قبرك، هذا إن فتحتهما. لكن ليكن في علمك أن هذه لم تكن مرّتك الأولى التي تستيقظ فيها بعد غيابك، لقد فتحت عينيك في المشفى وقلت بضعة أمور غريبة كعادتك، ثم لم تمكث طويلًا حتى غبت مجددًا. لقد قرّرنا أن تمكث هنا بالمنزل ولا تعود للمدينة حيث الجامعة حتى تستقرّ حالتك الصحية وتصبح على أتمّ ما يرام، فالطبيب قد حذّرنا من أن نوبة أخرى أكثر حدّة من هذه ستكون كافية لإنهاء القصة.
كان الزمن يكرّر نفسه لديّ، فقد مررت بكل هذا مرتين، وهذه مرّتي الثانية، وفي كل مرة تكون الضربة القاضية على شكل صدمة ما، فهذه المرة كانت قصة أختي. لذا قرّرت أن أواجه والديّ بما أُكِنّ من أفكار، وأني قد تعرّضت لهذا بسبب تفكيري الدائم بأختي، فبينما أردت بدء الحديث، إذا بي ألمح الدمية الملعونة مجددًا وأصرخ عاليًا كشبح يفرّ من النار، فبدأت أتمتم بكلمات غير مفهومة مشيرًا بإصبعي لتلك الدمية، لتُحضرها أمي قائلة ما بال هذه الدمية؟ لقد مرّ أكثر من أربعة أشهر على اقتنائك لها ولم أعرف المغزى من ذلك بعد، وجدناها في حقيبتك، وقد قال صديقك إنك لا تفارقها. كلّا، أنا لم أخطئ في السرد، فقط ضع ثقتك بي وتابع معي