
3 من 7 · 7 دقيقة
الفصل الثالث
كان ذلك صادمًا حقًّا، لقد تلاشى المنطق أمامي لوهلة، كيف عساهم يصفون دمية أختي الغالية بأنني اشتريتها منذ أربعة أشهر؟ هل عساه خطأ في نسيج الزمن؟ أم أنني داخل قصة هزلية؟ استمررت في أوهامي طويلًا ووالداي يحاولان مناقشتي لكني لا أستجيب، فتركاني ونفسي في غياهب الشكّ والتخبّط بين الحقيقة والخيال. كنت أشعر، بل كنت متيقّنًا أن هناك ما هو خاطئ في الأمر، مددت يدي لمكتبي وتناولت مذكّراتي، مقبرة أفكاري، تفوح منها رائحة الألم على بُعد أمتار عدّة، فكيف لا وهي مثقلة بتعابير فتى أدرك عبثية وجوده وهو لم يستكمل نموّه بعد. قلّبت صفحات الموت تلك وبدأت أمرّر عينيّ بين أسطرها الموحشة، وهي تذرف دمعًا يكاد يكون إلى اللون الأحمر ميّالًا، كلّا، أنا أهلوس، لونه كان شفّافًا فارغًا، كالفراغ القابع داخلي. لقد تذكّرت حينها تمامًا ما يجري، كلّا، أنا لم أتذكّر، فقد كنت أعرف دومًا ما يجري، كنت موقنًا دائمًا بما أنا فاعل، لكني كنت آبى أن أُزيل ذاك الستار عنّي، وكيف عساي أُزيله وأنا من حاكه، أنا من رفعه. دعوني الآن أغترف لكم قليلًا من نهر الحقيقة، لكني لا أريد منك أن تصدّق كل ما تقرأ، فلستُ الوحيد من يكتب هذه القصة، أحيانًا يكون المقهى مكتظًّا بهم، خاصةً النرجسيّين منهم. كفانا تعلّقًا بوسط العقدة، ولنبحث عن بدايتها، وأقرأ لك ما بالمذكّرة.
"عندما كنت إنسانًا، كنت الولد الوحيد لوالديه، لم أمتلك أخًا أو أختًا، أجل، لقد تربّيت بطريقة سليمة ودقيقة تكاد تلامس المثالية، لم يكن للأخطاء في حياتي مجال، كان التفوّق عنواني الوحيد، استطعت تحقيق كل ما بدر لذهني في أيّ وقت، مستواي الدراسي وسمعتي بين أفراد العائلة والأصدقاء، كل شيء كان مثاليًّا، صحّتي العضوية والعقلية والنفسية كانت في أبهى حُلّتها. استمررت على هذا المنوال طويلًا دون أيّ تعثّر، كنت مفخرة والديّ وأهلي كلهم، وأنا أتقدّم أكثر في السنّ وأستكشف العالم أكثر، بدأت الأفكار، الجيدة منها والسيئة، بالتدفّق نحوي، لم يخشَ والداي الأمر إطلاقًا، بل تركا لي حرية كاملة، فقد اكتسبت ثقتهما المطلقة، كونهما يعتمدان عليّ في حلّ بعض المسائل، لذا لم يكن للشكّ مكان في رأسيهما. لم أكن متعلّقًا بالوسط الخارجي كثيرًا، فكل ما كان يبدو لي في البشر أنهم آلات بيولوجية يعتقدون أنهم أكثر فضلًا من الحيوانات، ومع بلوغي المرحلة الثانوية كنت قد حصلت على أعلى درجة في البلاد، غير أن ذلك لم يُثِر اهتمامي، بل قد بدأت أبحث في كتب متقدّمة. استمررت في تغذية عقلي باستمرار حتى ما عاد اليوم يكفيني، فخشيت أن تنتهي حياتي وأنا لا أعرف كل شيء، لذا بدأت بتقليل ساعات النوم شيئًا فشيئًا، وجنون العبقرية يكتسح عقلي، لقد كنت لا أُضاهى، لم أعد أريد حتى الكلام مع الأشخاص الذين يقاربونني سنًّا، فلم أمتلك وقتًا أضيّعه مع من يعيدني خطوة للوراء.
انقضت سنتان على ذلك الحال من العظمة حتى بدأت أسأم الأمر، أو بالأحرى أسأم الحياة، كل شيء مثالي أمامي، لم أعد بحاجة لشيء، فقدت اعتقادي بكل شيء، صنّفت نفسي على أني فوق الجميع ولا شيء فوقي، فسئمت من تبجيل نفسي حتى، لا شيء جديد لأفعله حينها. قاومت هذا الشعور لشهور أخرى حتى بدأت أشعر بالجنون يتملّكني، ففي إحدى الليالي، وأنا عائد للمنزل، داس متهوّر على قدمي بغير عمد كما ادّعى، فثار غضبي وفقدت رباطة جأشي، وضربته ضربات متوالية في نقاط حسّاسة بالرأس أفقدته بها وعيه، وانهلت عليه بالضرب المتواصل مستهدفًا نقاطه الحيوية، طبعًا قد لفظ آخر أنفاسه على يدي، ولم تتمكّن أيّ جهة من تقفّي أثري أو القبض عليّ، مراوغة الشرطة كانت كجولة من لعبة الشطرنج حيث الخصم لا يعرف القواعد. كان قتلي لذاك الشخص بداية جنوني وعظمتي، لم يعرف أيّ أحد بخصوص الحادث، كانت جريمة مثالية، بدأت بعدها أفرض سيطرتي على كل من حولي، وأستنزف منهم رغبة الحياة كما استُنزفت منّي، إلا أن الأمر لا يزال لا يشفي غليلي، لا يُطفئ النار التي وقودها الألم في صدري. بدأ يبدو لي الانتحار آخر ما ألجأ إليه، غير أن كبريائي يأبى ذلك، كيف لشخص بعظمتي آنذاك أن يلقى حتفه بتلك الطريقة البائسة؟ حتى، وفي كنف الظلام الدامس، لاحت في رأسي فكرة تحوم حول الجنون، تناولت ورقة وقلمًا، وبدأت بتدوين كل ما يجول بخاطري، سيرتي الذاتية بطريقة أخرى، كما طالما أردتها، سيرة لا أمتلك فيها هذا العقل المُضني، ولا يتملّكني جنون العظمة، حياة ترعرعت فيها في وسط طبيعي مع وجود أخت صغيرة بفارق أربع سنوات، عشت حياة طبيعية، ودخلت المدرسة الابتدائية تلو المتوسطة ثم الثانوية. غصت كثيرًا في أحداث القصة، كنت أذكر كل التفاصيل بدقّة، وضحكة غريبة تعلو محيّاي، مرّت قرابة الخمسة أشهر وأنا لا أزال أدوّن كلما عدت إلى المنزل، حتى بلغ أنا الذي في القصة نفس السنّ الذي أبلغه في الحقيقة، وبدأت حينها أشعر بنفس الملل الذي أشعر به الآن. فزعت حينها كثيرًا وارتعبت حتى النخاع، رغم أنه لم يوجد شيء أخافني طوال حياتي، لربما جرّاء تعلّقي بأنا الموجود في القصة، خشيت أن يصيبه من الألم ما أصابني، وأن يستمرّ في الدوران في حلقة من الألم، لذا، ومن دون وعي منّي، قمت بتحويل مجريات الأحداث، وقتلت أختي الصغيرة بحبري ذاك، في ليلة كان البدر فيها مكتملًا، والنجوم تزخرف ظلمة السماء، وصافرة توقّف النبض تعزف ذاك اللحن المشؤوم. وبسبب جنوني وهوسي آنذاك لم أكبح جموح الظلام في رأسي، واستمررت في وصف بشاعة تلك الليلة في صفحات غير منتهية، حتى ما عدت أفرّق بين الواقع والخيال، أيّهما القصة وأيّهما حياتي. اقتنعت بأن أختي رحلت، واشتريت لنفسي دمية ادّعيت أنها لها، وعشت كذبتي تلك وأنا أتخبّط بين الواقع والخيال، وأمزجهما في معزوفة من المعاناة، حتى بدأت أقصد مقهى الموت ذاك، وأسبح في خيالاتي وهلوساتي إلى أبعد الحدود، وتبدو لي أختي في كل مكان، في كل زقاق، في كل ليلة ماطرة، بعد كل خطفة برق. عشت جنونًا محضًا، وبدأ الزمن لديّ بالتشوّه، حيث بدت لي بضعة شهور كأنها ثلاث سنوات، وما أخبرت والديّ بذلك مطلقًا، لكن بسبب ذلك انهرت وسط أشواك عقلي المدبّبة، ومكثت جثّتي هناك في برودة أبدية، حتى أقصّ عليك الآن حقيقة ما جرى، وأني لم أمتلك أختًا، وأن نوبات القلب التي تعرّضت لها ما هي إلا اضطرابات نفسية أثّرت عليّ بشكل حادّ".
بدا كل ذلك منطقيًّا لك الآن، فها قد انكشفت الحقيقة، والسرّ وراء الدمية، وحياتي الحقيقية، أنت تعرفني جيدًا الآن، وكيف ترعرعت، وأن كل ذلك كان هوسًا. الوقت مناسب الآن لإنهاء هذه القصة، أجل، إن كنّا في عالم بسيط يقبل الحلول اللطيفة التي لا تُثقل العقل، لكننا لسنا كذلك.
لا أزال أقلّب صفحات المذكّرة بعد أن أنهيت سرد سيرتي الذاتية الأصلية، وصولًا إلى آخر صفحة، والتي لم ألحظ شكلها الغريب مسبقًا، كانت تبدو منتفخة على غير عادة رفيقاتها، ضغطت عليها قليلًا وإذا بي أتحسّس وجود شيء بالداخل، ورقة أخرى، كانت الصفحة الأخيرة عبارة عن صفحتين ملتصقتين، وبداخلهما ورقة مطويّة، أخرجتها ببطء شديد وأنا أفتحها في استغراب، فأقرأ لا تثق دومًا بما تقرأ، فالنرجسيّون مهووسون بالكذب… هل يمكنك إطلاعي على اسمَي والديك؟ كان جوابي حينئذٍ… يتبع