حياة ميتالفصل الرابع

4 من 7 · 9 دقيقة

الفصل الرابع

كان جوابي حينئذٍ…

أيّ منهما؟ قلت بطريقة عفوية جعلتني أضع يدي على فمي وأكرّر أليس الوالدان كيانًا وحيدًا لدى البشر؟ لماذا سألت كما لو أني أمتلك الكثير؟ وجسدي يرتعش في جنون، ليس فقط بسبب ما قلته، بل لأنني أدرت رأسي لجهة اليسار مركّزًا عينيّ على ثقب صغير، فتتقابل عيني مع عين جوفها أسود داكن، تنظر لي في حنق من ذلك الثقب، وتأبى أن تغادر. عزف الخوف حينها في رأسي إحدى معزوفاته الشهيرة، وتدفّق الأدرينالين في جسدي بصورة مرعبة جعلتني أهرع من مكاني دون أن أنطق بشيء، أخذت حقيبتي واضعًا فيها مذكّرتي، وقفزت من النافذة من شدّة الخوف وعدم تحمّلي لتلك العين المفزعة، سقطت على الأرض بصمود كالمطرقة، واندفعت للأمام بسرعة لم أبلغها يومًا، والهواء يحتكّ بي كأني أركب عربة لا ساقيّ، لكن مهلًا، ألا يُفترض أني قفزت للخارج؟ لمَ كل ما حولي جدران بيضاء؟ أين أركض؟ هل عس-، أوقف خطّ تفكيري ذاك صوت صراخ مدوٍّ من كل الأرجاء حولي، صراخ بشر من كل الأعمار، يصيحون خلف حواجز شفّافة وأعينهم تحدّق بي في يأس غير متناهٍ جعلني أثور غضبًا. ليخرج من العدم رجال ونساء ببِذَل بيضاء وقفّازات، يحملون أجهزة في أيديهم لم أستطع التعرّف إليها، دبّت رعبًا أكثر في بدني أفقدني الشعور بالخوف بعد تلك النقطة، فأدركت أني بلغت ذروة الأدرينالين، أنا لم أعد إنسانًا عاديًّا الآن. فغمرت الثقة عينيّ، ولم أُبطئ ركضي الجنوني ولا للحظة، بل اقتلعت عصا معدنية كانت بالكاد مثبّتة على الجدار، وما إن بلغت أول رجل حتى انحنيت للأسفل قليلًا مراوغًا تلويحه البطيء، ومرتفعًا ثانيةً قبل أن يكمل قوسه، مستهدفًا رأسه بعصاي ليصل في ثوانٍ للجهة الأخرى، أجل، لقد اقتلعت رأسه بتلك الضربة، التي لم تمضِ عليها ثانية حتى أرجعت قدمي اليمنى للوراء واضعًا كل ثقل جسدي عليها، وضاغطًا على كل عضلات فخذي لأندفع نحو امرأة كانت تصوّب عليّ بجهازها، باديًا لي الأمر يسري ببطء بسبب سرعتي المهولة، فجعلت العصا تخترق عنقها، إلا أن ذلك كان خطأً فادحًا ارتكبته، فقد استغرقت وقتًا قُدّر بثوانٍ طويلة لأنزع العصا من عنقها، كانت كافية ليصيبني أحدهم بجهازه الذي كان صاعقًا كهربائيًّا. رأيت حينها الموت حقًّا، ليس بسبب الصعقة طبعًا، بل بسبب ما سيفعلونه بي بعد أن يمسكوني، تمنّيت حقًّا أن تقضي عليّ الصعقة، وأنا أهوي ببطء نسبيّ نحو الأرض همست أنا أفقد وعيي الآن، اللون الرمادي مخيّم على عينيّ، يبدو أن النهاية قد حانت كلّا، لم يحِن شيء، لستَ وحدك… عاد وعيي قبل أن يلامس أنفي الأرض، فأمسك بعصاي وأدفع بيدي الأخرى وقدميّ بقوة أكثر من السابق، رغم أني بلغت حدود التحمّل، إلا أن الأدرينالين كان يقوم بدور التخدير آنذاك، وانطلقت مجددًا نحو آخر شخص أمامي، مراوغًا طلقات الذي أطلق عليّ سابقًا من خلفي بطريقة لم أدرك كيفيتها. والذي أمامي ضخم عملاق يعجز عقله عن تحليل ما يجري، لأنني الوحيد الذي كان يستوعب تلك السرعة، لكنه لم يكن يعتمد الصاعق كرفاقه، بل كان في يديه قفّازات سوداء مكهربة، فاتحًا يده استعدادًا للإمساك برقبتي، وضحكة الفوز تتملّك وجهه. تبقّت لي خمسة أمتار لأبلغه، أربعة، ثلاثة، اثنان، لأكبح سرعتي بشكل آنيّ مضحّيًا بعضلة ساقي اليسرى، وواضعًا كل الطاقة والثقل في يدي اليمنى التي تحمل العصا كالرمح، وعيناي تستهدفان عينيه في مشهد يشدّ الأنفاس، وشريط حياتي يمرّ أمام عينيّ بكل لحظاته، الجيدة منها والسيئة، مدركًا أنني إن أخطأت فسأعيش ما تبقّى من حياتي في الجحيم. فدفنت الشكّ في مقبرة الأوهام، وأطلقتها بكل ما أوتيت من عزم، مخترقةً حاجز الصوت في استقامة مثالية، بدت إصابتها له أمرًا محتومًا، حتى انتفخت عضلاته فجأة وحرّك ذراعيه بخفّة غير طبيعية، ممسكًا بها بكلتا يديه، موقفًا رصاصة الأمل عن اختراق رأسه. يبدو أن الأمر انتهى، صحيح؟ كلّا، فأنا لم أقصد إصابة رأسه، ضحّيت بعضلة ساق أخرى، وانطلقت صوبه مستغلًّا إمساكه بالعصا، وموجّهًا له ضربة لوجهه، وتحديدًا أنفه، لينكسر، لكنه لم يبدُ إنسانًا طبيعيًّا، فلم يفقد وعيه رغم الإصابة، ونظر إليّ بعينَي الوحش تلك، وجسمي لا يقوى على تنفيذ هجوم آخر، فقد ضحّيت بالفعل بكل عضلة رئيسية أمتلكها هل كان كل ذلك غير كافٍ؟ هل محتوم عليّ الموت حقًّا هنا؟ رفع يده وصوّبها نحوي بقوة مرعبة، لكنه لم يصبني، لقد فقد وعيه، فقد وعيه نتيجة دخول شظايا العظام التي سبّبها انكسار الأنف في المسلك التنفّسي، مما أدّى لاختناق وموت مباشر. كان ذلك مخطّطًا له من البداية، فاستهدافي لأنفه لم يكن عبثيًّا، فتلك لم تكن مرّتي الأولى في القتل.

لم يكن المخرج يبعد عنّي إلا أمتارًا معدودة، والذي خلفي عاد لطلب المساعدة، فاستمررت في الزحف، وكل ما يجول بخاطري هو رغبتي الملحّة في عبور ذاك الباب، لكن بعد وصولي إليه ألقيت نظرة حولي، فإذا بي لا أرى سوى أرض قاحلة، أرض أبت الحياة أن تسكنها، لقد كنت عالقًا في مكان ناءٍ من هذا العالم. لن تصدّق خيبة الأمل التي انتابتني آنذاك، لقد خيّم الاكتئاب والفراغ عليّ، كل ما جال بخاطري هو أن أنهي حياتي وأنهي قصة البؤس هذه، لكن لسوء حظي لم يكن جسدي ملكي بالكامل، وأنا أعني ذلك حرفيًّا، وليس محض قضية خُلُقية، فبدأت أسمع صوت خطوات متسارعة نحوي، فالتففت حول الباب واجدًا مدخلًا بدا كمخزن للمؤونة والوقود.

بلغني الحرّاس، وقصدوا هم أيضًا المستودع ليبدو لهم جزء من قميصي، فاقتحموا المكان بكل شهامة، إلا أن الأمر كان ينقصه بعض التفكير، كان قميصي آخر شيء يرونه، فقد كنت أقبع خارج الغرفة وقميصي لعب دور الطُّعم، لذا كل ما قمت به هو رمي عود ثقاب في المستودع وغلق الباب بغصن شجرة بخفّة، لم يبلغوني فيها حتى اضطرمت النار فيهم، وصوت صراخهم كل ما كان يُسمع وهم يحاولون إطفاء النيران التي سبق والتهمت الحشائش، بمساعدة بعض البنزين هناك، مرتفعةً ألسنتها. فعرضت عليهم فتح الباب مقابل أن يرسلوا رسالة للمقرّ الرئيسي يخبرونهم فيها أنهم قبضوا عليّ وسيأتون بي بعد بضع ساعات، ثم يُسمعوني تكسير جميع أجهزتهم، وأن يزوّدوني ببعض المعلومات. طبعًا قبلوا العرض، فحياتهم كانت تبدو لهم بين أعينهم، خاصةً أن نصفهم يملك أسرة ستتشرّد لو لقي حتفه، فأتمّوا جانبهم من الصفقة وحان دوري. تسألني: هل فتحت الباب؟ بالتأكيد لم أفعل، فقد كانت ذراعي تؤلمني بعض الشيء، وكنت تعِبًا.

زحفت كالحرباء في المكان وأنا أبحث عن مكان ألجأ إليه وأقضي فيه الليلة حتى أجد حلًّا لمأزقي، فلم أجد شيئًا، لم يكن هناك شيء في الجوار غير المبنى الذي خرجت منه، كان عقلي مخدّرًا وأنا لا أعرف حتى ما يجري، ولم أفهم المعلومات التي زوّدوني بها، فقد هربت متتبّعًا غريزة المنطق لديّ دون أدنى تفكير. فاستمررت بالزحف لساعات مطوّلة، وأنا أقاوم الموت بسبب الجوع، متمسّكًا بوعيي بكل ما أوتيت من طاقة، لأرفع عينيّ في كل مرة وأجد أن الطريق لا تنتهي، أجدني لم أتقدّم أبدًا، أنا أجول في الفراغ، فراغ أبديّ، والألم في عضلاتي يتزايد بشكل مفجع، ولم أستطع الصراخ حتى من شدّة الإعياء. حلّ الظلام وأنا أزحف، حتى في ثانية ما، حين استنزفت كل قطرة من الطاقة في جسدي، فقدت الوعي أخيرًا وسقطت على الأرض. استيقظت مجددًا وأنا لا أزال على قيد الحياة، والألم يأبى التوقّف، فاستمررت مستلقيًا والجوع يلتهم أحشائي، حتى فقدت الوعي مجددًا وحلّ عليّ يوم آخر، فأفقت في رعب، وهذه المرة أدركت أنني لو نمت مجددًا فلن أستيقظ. مرّت ثلاثة أيام دون أن آكل شيئًا، لأن كل ما كان لديّ قنّينة ماء أنهيتها في يومي السابق، لكن لا طعام لي، وكل هذه المعاناة لم تكن كافية، فقد بدأت تحوم حولي أفاعٍ من كل الجهات منتظرةً الفرصة للانقضاض عليّ. فارتفعت عن الأرض في بطء كالحيّ الميت، واخترقت دائرة الأفاعي تلك آخذًا معي اثنتين، ممسكًا إيّاهما من أسفل رأسيهما، وضاغطًا عليهما بكل قوة حتى انفجرا، ورميت عليهنّ عود ثقاب آخر كان لديّ، وركضت في تعثّر مستمرّ لأبتعد عنهنّ، حتى بلغت برّ الأمان، ووضعت الأفعيين اللتين اصطدتهما، مقتلعًا رأسيهما، ومباشرًا بأكلهما لأحافظ على حياتي. جلست قليلًا متّكئًا على صخرة والظلام مخيّم مجددًا، محدّقًا في رونق النجوم المضيء وهي تبدو لي تتحرّك باستمرار، أدركت أن في الأمر شيئًا خاطئًا لا ينبغي للنجوم أن تتحرّك بتلك الطريقة، ولماذا كل شيء يدور حولي؟ لماذا أنا عاجز عن تحريك يدي؟ ما هذا الويل؟ فلمحت في يدي وقدمي ثلاث عضّات أفاعٍ، لأبدأ بامتصاص السمّ منهما وأبصقه، لكن سرعان ما تملّكني الغثيان، وبدأت أحشائي تتمزّق بسبب ما أكلت، فابتسمت في هدوء، ودمعة النهاية تتموضع على خدّي، مستلقيًا على الأرض في استسلام قائلًا تلك لم تكن غريزة البقاء لديّ، لقد كانت غريزة الانتحار، فقد سئم جسدي من الألم الذي سبّبته له، أراد أن ينهي شريط الرعب هذا بأيّ وسيلة، لا بأس إذًا، وداعًا… كان الدم يخرج من فمي بشكل متّصل، وجسدي يلتوي كالأفعى التي أكلتها، وشريط حياتي يمرّ حقًّا أمام عينيّ، لأدرك كل شيء، كل شيء عمّا أنا فيه، ومن أنا، ولماذا وصلت لهذه الحالة، وبدت لي صور كل الأشخاص الذين قابلتهم في حياتي، لكن هيهات، كان الأوان قد فات، بلغني قطار الممات، لأسقط على الأرض جثّة هامدة وأدخل في السُّبات…