
5 من 7 · 10 دقيقة
الفصل الخامس
استيقظ… استيقظ… لم يحِن أوان موتك الآن صوت مألوف يحوم حول أذني ويضيف ألن تشرب قهوتك المعتادة؟ إن الجوّ ماطر، أيقنت بوضوح حينها أنه النادل، غير أني لم أستوعب شيئًا آنذاك، كل ما أشعر به ألم فظيع كما لو أن شخصًا يمزّق أحشائي، وآلاف الإبر تُغرز في رأسي، ولساني عاجز عن النطق، فقط عيناي المفتوحتان في أقصى اتّساعهما تحدّقان بالمكان، ولا تستطيعان أن تريا سوى جدران ملطّخة بالدماء وآلات غريبة، فأضاف ذاك الصوت الذي سبق وأدركت صاحبه هل ستظلّ هناك للأبد أم ماذا؟ استجمع نفسك وقُم، لقد أنهيت العملية حقًّا… لم أفهم عمّا يتحدّث حينها، وفجأة تذكّرت شيئًا ألا يُفترض بي أن أكون ميتًا الآن؟ هل هذه حياة ما بعد الموت؟ كلّا، من الواضح أنها لم تكن كذلك، فلم أمكث طويلًا حتى فقدت الوعي، لتوقظني صعقة كهربائية جعلتني أئنّ من الألم، والنادل يردّد لا تستطيع البقاء هنا للأبد، القهوة بردت بالفعل، تحرّك قبل أن أصنع كوبًا آخر في رأسك جعلت هذه الجملة المرعبة بؤبؤ عيني يتّسع إلى أقصى حدّ، وأرتفع من مكاني، والألم الذي تعجز الكلمات عن وصفه يشدّ جسدي كأنه شيطان من السعير، لكن رغم ذلك كنت أستمرّ في التحرّك لأبلغ جلسة مستقيمة، ومجسّات تُنتشل منّي ببطء وتقتلع في كل مرة جزءًا من لحمي، حتى جلست وأنا أنظر في وجه النادل الذي اعتدت عليه بنظرة فارغة، وأجول بعينيّ في المكان بهدوء. كان المكان مرعبًا، يثير الهلع في النفوس، وتتملّكك فيه رغبة شديدة في الغثيان، لكني لم أكن أملك الإرادة حينها. قطع النادل جولتي تلك قائلًا آسف لإفساد متعتك، لكن عليّ أن أخبرك قصة صغيرة قبل أن أطردك، فالوقت قيّم ولا أريد أن أورّط نفسي معك أكثر، وأيضًا قد سئمت تلك النظرة على وجهيكما البشعين، أجل، الثاني هو أنت أيها القارئ، لذا دعني أخبركما بما يجري هنا حقًّا، وأربط ذكرياتك البائسة
أحضر النادل فنجانين من القهوة، واحدًا لي وواحدًا له، وجلس على كرسيّ وبدأ بالتحدّث بشكل متسلسل دون توقّف، ومع كل حرف ينطقه تمرّ أمام عينيّ ذكرى ما.
{أولًا سأعرّفك بنفسك الحقيقية، لكن عليك أولًا أن تنسى كل ما اختبرته في الآونة الأخيرة، ولا تقوم باسترجاعه إلا بعد أن أطلب منك ذلك. أنت فتى في الثامنة عشرة الآن، وطبعًا قد امتلكت يومًا والدين بشريّين كأيّ إنسان، وعشت معهما حياتك الطبيعية بكل بساطة، إلى حين السادسة عشرة من عمرك، والتي سينقلب فيها كل شيء رأسًا على عقب، فقد تمّ اختطافك من طرف تجّار للأعضاء البشرية، وطلبوا فدية تعادل ضعف قيمة أعضائك مجتمعةً في السوق السوداء، أو سيتمّ بيعك قطعًا مجزّأة. لكن الأمر لم يكن بهذه السلاسة، لم يستطع والداك حينها توفير المبلغ الكامل، لذا التجآ إلى الشرطة، وحاول والدك إقحام نفسه والمشاركة في عملية القبض عليهم، لكنه لقي حتفه، وكانت الشرطة متواطئة في الأمر، فالهدف كان حينها إسكات عائلتك بطريقة صامتة، كون العصابة كانت لها علاقات دبلوماسية قوية في البلاد، واعتُبر الإمساك بها كإمساك القطّ بذيله. ولم أستطع بعدها تقفّي أثر أمك، فتمّ الاتفاق مع أطباء السوق السوداء ليتمّ تجزيئك وبيعك. والآن أنت تتساءل ما دوري في هذه الملحمة؟ أجل، لقد حان، فأنا رئيس فرقة أطباء السوق السوداء المعروفة بمزخرفي العظام، والتي كانت مكوّنة من خمسة عباقرة مجانين، لكلٍّ منهم ماضٍ بائس جعل في قلبه مقتًا شديدًا للإنسانية جمعاء، لكني لم أكن كذلك، فلم تكن أحاسيسي تسيطر عليّ لأني قطعتها منذ زمن، أنا فقط أحبّ عملي، فلماذا عساك تعتقد أنهم أطلقوا عليّ لقب مهووس الموت؟ لا يهمّني أن تصنّفني في أحد الاضطرابات النفسية الآن، لأني أريد أن أكمل. استُدعينا في ليلة ماطرة، وصوت الرعد يشدّ الأنفاس، والبرق يخطف الأبصار، كان أقرب لقصة رعب منه لعملية، فالغرفة كانت أشدّ وحشة من التي تمكث فيها الآن، واثنان من رفاقي أبَيا العمل هناك وغادرا، لذا مكثنا ثلاثتنا، وأعضاء العصابة مدجّجون بالسلاح وينظرون إلينا بدونية واضحة. فاقتربنا من المنضدة التي كنت ممدّدًا عليها، وبدأنا بالتعليم على جسدك بقلم لونه أحمر لنميّز المناطق التي علينا شقّها، ولا نُحدث عيبًا في الأعضاء. السيّئ في الأمر أنك لم تكن مخدّرًا، فقد كنت أستطيع رؤيتك تفتح عينيك بمليمترات قليلة وتحدّق بعينيك البائستين هاتين، لا أعرف الأسباب حقًّا، لكن العصابة قد أصرّت على تنفيذ العملية دون مخدّر، لم آبه حقًّا، فباشرت بفتح جانبيك لاستخراج الكليتين، وكنت أتوقّع منك الصراخ حينها، لكنك ابتسمت بشكل غريب، بنظرة لم أرها قطّ على وجه أحد يشارف على الموت، وقلت شيئًا مثيرًا وفقدت الوعي مباشرة. لقد أثرت اهتمامي حقًّا، تلك الجملة التي جعلت قلبي يرتعش لأول مرة، والتي كان من شأنها أن تخلق لنا قصة الجنون هذه، فتملّكتني فكرة أن عليّ أن أحافظ عليك حيًّا مهما حدث، وكنت على استعداد للتضحية بأيّ شيء لأبلغ هذا الهدف، والآن حان الوقت لأُثبت لك أنني أستحقّ لقب مهووس الموت.
للتنبيه فقط، فريقي الذي كان يعمل معي لم يكن يتكوّن من بشر حقًّا، فكلهم قد عانوا من حوادث مميتة، وأنا من انتشلتهم وأكملت حياتهم البائسة صناعيًّا، لذا فقد كانوا ملكي. اتّصلت بالاثنين اللذين غادرا وأمرتهما أن يشنّا هجومًا على المدخل بينما أنا أنتزع كليتك، ليمنحني ذلك بعضًا من الوقت أثناء فقدان العصابة للتركيز، فأعطيت زميليّ الآخرين الإشارة بالاندفاع نحو الأمام والهجوم بسكاكينهما، وبأني سأحمي ظهريهما، وقد فعلا ذلك حقًّا، غير أني لم أفعل، فبعد أن تبقّت لهما بضعة أمتار لبلوغ أفراد العصابة، ضغطت على زرّ في معصمي ليتفجّرا ومعهما ثلاثة من أفراد العصابة، أجل، لقد كنت أضع داخلهما متفجّرات إن اقتضت الحاجة. فاستغللت تلك الضجّة وحملتك قاصدًا المرأب، تاركًا كليتك على الأرض هناك، فقد كانت وسيلة إلهاء وحسب، غير أن الحرّاس كانوا يعترضون طريقنا بشكل مجنون، وكل ما فكّرت فيه أن أجعلك درعًا بشريًّا لي لتلقّي الرصاص، غير أني كنت حريصًا على ألا يصيبوا رأسك، حتى بلغت المرأب ونفذت عبر فتحات التهوية لأركب سيارتي وأفرّ من هناك، قاصدًا مسقط رأسي المعتاد، المقهى المهترئ، لكني أدخل من باب خلفي يوصل للغرفة التي أنت مستلقٍ فيها الآن. ووضعتك على الفراش وجسمك في أسوأ حالاته بسبب الرصاص الذي تعرّضت له، لكن رأسك بدا سليمًا لم يصبه خدش، فاعتبرتها كالمعجزة التي حفّزتني أن أتشبّث بك أكثر. كان قلبك متضرّرًا للغاية لا يقوى على الاستمرار، بالإضافة إلى عدّة مناطق في نخاعك الشوكي، وعلى مستوى الكبد والكلى أيضًا، لذا قمت بعملية مجنونة هي الأولى من نوعها، وذلك بزراعة قلب جديد، واستبدال نصف شبكة أعصابك بأعصاب جديدة، والأمر نفسه بالنسبة لباقي الأعضاء. كان القلب لشخص فقد أخته في حادثة سير، فانتحر بجوار المقهى على قبر أخته تاركًا دمية هناك، فتداركت الأمر وأخذت قلبه وتركته عندي لأحتاجه يومًا، أما الأعصاب فكانت لفتى عبقري عانى من مشاكل عائلية أدّت به لاضطرابات نفسية، جعلته يقاوم المرض طويلًا إلى أن انتحر بدوره داخل قبر بعد أن حفره بنفسه، وأخذت ما تبقّى من أعضائه السليمة، وأبرزها الجهاز العصبي، أظنّ أن الصورة بدأت تتّضح لك.
كنت أدرك أنك ستفقد جزءًا كبيرًا من ذاكرتك، ولن تستعيده إلا بالتحفيز، لذا سجّلتك بإحدى الجامعات، ووضعتك في منزل مع طلاب مثلك، وجعلتهم يقنعونك بأنك طالب عادي، لتستمرّ حياتك بشكل طبيعي، تاركًا الأمر لعقلك ليربط بين كل هذه الأعضاء الجديدة، وأراقب عن كثب تحفتي الفنية. فبدأ عقلك بتأليف تلك القصة حول أنك كنت فتى عاديًّا، وكتبت قصة ما جعلتك تصدّقها حول أختك، أنا أقصد ذلك الكلام الذي قاله النرجسيّ، فلم يكن صحيحًا طبعًا، أنا شرحت لك هنا كل شيء. وكنت تدوّن كل ذلك في مذكّرات، إلى أن قرأها أحد زملائك اليائسين ونشرها معتقدًا أنه قد يجني المال منها، غير أن كل ما جناه منها هو الموت، فقد أدركت العصابة التي اختطفتك في البداية أنه كان أنت، ولا أعرف كيف عرفوا، لكنهم تمكّنوا منّي ومنك حقًّا، وبكل هدوء نزعوا منّي تحفتي الفنية. في يوم كنت تجلس هنا في المقهى بعينيك الفارغتين تنظر إلى تلك الدمية التي كانت تمتلكها أخت صاحب القلب الذي في جسدك، دخلت فتاة صغيرة بنفس المواصفات التي كانت مذكورة في مذكّراتك، وشخصان غامضان، أنت تتذكّر هذا المشهد، أليس كذلك؟ لقد سبق وتحدّثت عنه، لقد استغلّا شرودك ووضعا في كوبك شيئًا ما لم أدركه إلا بعد فوات الأوان، فأُغمي عليك كما سبق وذكرت، وأُخذت للمشفى، بعدها المنزل، غير أن ذلك لم يكن لا مشفى ولا منزلًا، لقد كان مبنًى للتجارب البشرية، فقد بدوت لهم كتحفة علمية، كنت معجزة القرن، ذاك التوافق بين الأعضاء كان مستحيلًا مخبريًّا. ولكني أدركت أنك قد تقع في شيء كهذا، فتركت لك تلميحات صغيرة في نهاية المذكّرة في وقت سابق، إن دعت الضرورة لتحفيز ذاكرتك، وكانت تلك النقطة حيث هربت منهم وكدت تفقد حياتك ثانيةً، إلا أني وضعت فيك مجسًّا يرسل لي إشارة تنبئني بأنك شارفت على الموت، فهرعت إليك وانتشلتك وأصلحت الأضرار فيك مجددًا، لكنك لم تستيقظ رغم ذلك، حتى أرجعت لك جملتك التي جعلتني أتكبّد كل هذا، انهض، فالموتى لا يموتون… وهمست في أذنك باسم الفتاة الذي ذكرته يوم كنت ستفارق الحياة، فتاة في نفس عمرك قرأت عنها كثيرًا في مذكّراتك، لكني اقتلعت تلك الأوراق التي تتحدّث فيها عنها، وتركتها ليوم تكون فيه قد فقدت أيّ شيء يُثبت إنسانيتك، وأعطيتك إيّاها كي تسترجعها. تفضّل الآن واقصد هذا المكان، فهو آمن نسبيًّا، يمكنك بدء حياة جديدة بعد أن تقرأ هذا… إنه الجانب الجيد من حياتك… }
بلغت المكان المقصود بعد يوم كامل من التنقّل، المكان الذي جعلني أذرف دموعًا غريبة، خالية من الألم، لم أعتقد أن هذا الشعور موجود حقًّا. كان كوخًا خشبيًّا صغيرًا محاطًا بأشجار، ورائحة الصفصاف تملأ المكان وتشغل مساحة من صدري، كان الكوخ مقابلًا لنهر أشدّ صفاءً من أيّ نهر رأيته، دخلته ووضعت حقيبتي هناك، وأخرجت الأوراق التي عليّ قراءتها، ووضعت بعض الأكل على الطاولة، وجوّ ذاك المكان يجعلني لا أكفّ عن الابتسام، فبدأت أقرأ تلك الأسطر، بداية قصة جديدة
{ لقد كانت تلك… يتبع