
6 من 7 · 6 دقيقة
الفصل السادس
لقد كانت تتنقّل وحيدة بين الممرّات ذهابًا وإيابًا، في حركة بطيئة، ورأسها بالكاد مرفوع، وعيناها… كلّا، أنا لا أعرف شيئًا عن عينيها، فلم أستطع النظر إليهما مباشرة، فقد كنت أخشى أن أنظر إليهما فأفقد تركيزي وإدراكي لنفسي، كنت أخشى أن يسرح بي بريقهما في بحر الأوهام. كنت أُبقي على رشدي بصعوبة فائقة وأنا أراقبها صدفةً من هذه الزاوية، لم يكن أحد هناك، فالصدفة جعلت مثل هذا المشهد يحدث، كنت أقرب منها للوحدة، فقد كنت أجالس الوقت منتظرًا جرس الدخول للحصّة، تمنّيت حقًّا ألا يرنّ، لكنه فعل، ودخلت بابتسامة تعلو محيّاي أثارت حيرة المتفرّجين، فقد دخلت متأخّرًا وتمّ توبيخي، ماحيًا تلك الابتسامة، متّجهًا نحو مقعدي، لينتهي اليوم كعادته من التكرار، فقد حكيت هنا أهمّ ما طرأ لليوم. 10 يناير
هذا ما قرأته في أول صفحة من تلك التي أعطانيها النادل، كنت أشعر كما لو أني أرى المشهد بدقّة متناهية، ورائحتها كانت لا تزال عالقة بصدري كلما قرأت أكثر، لم أعرف من أين تأتي هذه الرائحة، هل عساه يحدث هنا شيء خارق الآن؟ هل نحن نتواصل؟ هل عسى الكون يعوّضني عمّا سبّب لي؟ استمررت في الترديد ببسمة كاذبة، أجل، كنت أعرف أني أخدع نفسي، لا وجود لشيء خارق في هذا الكون، لا بدّ من وجود تفسير لما يحصل، كنت أرجّح أن الأمر كله تصوّر ذهني أو هلوسة. فخلدت للنوم بعدها بوقت قصير، ليحلّ الغد ببداية جديدة، فباشرت بترتيب المكان وجعله مكانًا مناسبًا لي، وذلك بتغيير ورق الجدران وتغييرات طفيفة على الديكور، بجعله يخالف تمامًا أيّ غرفة مكثت فيها يومًا. كان أسفل الكوخ مرأب صغير وجدت فيه كل ما أحتاج من معدّات، وانغمست في العمل الذي جعلني أبدو سعيدًا ومستمتعًا بوقتي لأسبوع، أو ربما شهر، لم أكن أعدّ حقًّا، بل كل ما جعلني أتوقّف عن جنوني ذاك هو نفاد الطعام بالمنزل، ففكّرت أن أعمل بدوام كامل في مكان قريب من الكوخ حتى أؤمّن قوت يومي، ريثما تحلّ السنة الدراسية الجديدة وأعود للدراسة، متحوّلًا بذلك للدوام الجزئي.
لقد انتهت السنة ببطء شديد كاد يُفقدني عقلي، رغم أنها لم تكن إلا ثلاثة أشهر، غير أني لم أحتمل الوحدة أحيانًا، بالإضافة لتكراري الدائم لقراءة تلك الصفحات التي لم أعرف مطلقًا أكانت مصدرًا لسعادتي أم لشقائي، كنت أقرؤها أينما ارتحلت، في العمل، في المنزل، أثناء التنزّه وحيدًا حول ضفّة النهر… لم أنفكّ حتى حفظتها كلمة كلمة، فالوحدة تقتل. قصدت في ذاك اليوم أقرب مدرسة لمنزلي باستعمال درّاجتي الوفيّة، لأمرّ باختبار التقييم وأستكمل دراستي من حيث توقّفت. أوقفت درّاجتي خارجًا ودخلت حاملًا على ظهري محفظتي التي قاست معي عناء القصة كلها، وفتحت باب غرفة الاختبار متأخّرًا، فنظر إليّ المراقب بنظرة الدونية تلك ليُعلمني أني قد سبق وتركت لديه انطباعًا سيّئًا. لم أُلقِ للأمر اهتمامًا لسببين، أما الأول فلامتلاكي سببًا وجيهًا للتأخّر جرّاء التضاريس الوعرة التي تفصلني عن المدرسة وضعف قوام درّاجتي، والثاني لأن ثقتي بقدراتي كانت تتجاوز سنّ ذاك العجوز المهترئ، فلم أكن بحاجة لتوصية لألج المعهد. جلست على المقعد المخصّص لي والمراقب لا يُبعد عينه عنّي، فتجاهلته وأمسكت ورقة الاختبار بكل غطرسة، ولم أترك سؤالًا إلا وأجبت عنه، لأتمتم في جوفي لقد مررت بأسوأ من هذا، مررت بأوقات اضطررت فيها لتشغيل عقلي مئات المرات أكثر من الآن، لقد تحدّيت الموت مرات لا تُحصى… قاطعت تمتمتي تلك رائحة مألوفة، جعلتني أرفع رأسي وألتفت حولي كالمجنون، مما أثار غضب المراقب، فوضع علامة على ورقتي ثم نقلني لمكان أكثر عزلة، لكن الرائحة كانت أقوى. نظرت أمامي فإذا بي أرى فتاة تبدو متوقّفة عن الكتابة، وورقتها بالكاد ممتلئة للنصف، لكن كل ما جال بخاطري حينها أنها كانت منبع تلك الرائحة، لم يتمكّن عقلي من العمل بعد تلك النقطة، فمن حسن حظي أنني قد سبق وأجبت على كل شيء، وكل ما كنت أفعله هناك حينها محاولة فاشلة منّي لاسترجاع ذاكرتي المفقودة، وكشف سرّ هذا الشوق الذي يتربّع على فكري. أعلم أنك تفكّر الآن في أني غبيّ، وأنه لا بدّ أنها نفس الرائحة التي لاحظتها في المنزل، وأن تلك الفتاة هي التي في مذكّراتي، لكن الأمر ليس كذلك، فلسنا في فيلم رومانسي، أنصحك أن تتوقّف عن الضحك وتستمرّ في القراءة.
شارف الوقت على الانقضاء ولم أستطع أن أضيف لرصيدي أيّ معلومة حول هوية تلك الفتاة، ففكّرت أن أمنحها أجوبة الأسئلة التي لم تستطع الإجابة عنها لكي نكون متساويين في النتيجة ونلج نفس القسم، فأستطيع التعرّف إليها، لكن ذلك لم يكن خيارًا واردًا بسبب المراقب الذي لا ينفكّ يرمقني بنظرة الوحش، فخطرت برأسي فكرة أن أقوم بمسح الأجوبة التي لا نشترك فيها كلانا حتى نلج نفس المستوى، فلم يكن يهمّني حينها حقًّا هراء التقييم ذاك. وكما ذكرت، لم أكن أحمل سوى القلم، لذا بتسرّع ودون مبالاة سألتها عن الممحاة، لتمسكها من على طاولتها وتضعها على طاولتي، ملقيًا بذلك بضع كلمات من الشكر، فكان جوابها ذاك لا شيء، فنحن الموتى نساعد بعضنا البعض…
عدت بعد انقضاء الوقت للمنزل وأنا في حالة ممتزجة من الغضب والخوف والريبة، فأنا لم أنفّذ فكرتي لأن كبريائي لم يسمح لي، فلو قبلت استعمال تلك الممحاة لكنت قبلت وصفها بأني وإيّاها ميّتان، لكني لست كذلك، فهذه الحياة التي أحافظ عليها الآن تشترك فيها أكثر من نفس واحدة، وما كنت لأسمح لكائن من كان أن يُفقدني ما اكتسبته عن عناء. لكني لم أتجاهل طبعًا تلك التساؤلات، كـلماذا نعتتني بذلك؟ ولماذا أشركت نفسها أيضًا؟ وهل يمكن أن تكون لها علاقة بالعصابة، أم أن تلك كانت محض مصادفة؟
جلست على أريكتي وأنا في شتات ذهني عظيم، لا أستطيع الخروج من حالة الاضطراب تلك، وكل ما استطعت فعله آنذاك هو مدّ يدي لمكتبي الخشبي وسحب صفحات مذكّرتي، وبدأت أقرأ كعادتي، وبدأت رائحة تعمّ المكان، ليست تلك التي اعتدت عليها سابقًا، وإذا بي أصرخ إنها رائحة الموت التي جلست خلفها قبل قليل…