حياة ميتالفصل السابع

7 من 7 · 7 دقيقة

الفصل السابع

بعدما أقنعت نفسي أن كل ما جرى مصادفة لا غير، عادت رائحة الموت تلك تداعب حواسي، وذهني يغوص في الرعب شيئًا فشيئًا، حتى بدأت برؤية أشياء غريبة، صور من باطن ذاكرتي، كانت إحداها تتضمّن الفتاة عينها من الاختبار. لم أستطع تمييز ما يجري آنذاك، وفي خضمّ كل تلك الضوضاء الفكرية أمسكت حقيبتي وهرعت من كوخي المتواضع والشمس على مشارف الغروب، توجّهت بسرعة مهولة نحو تلّ كنت أرتاده كلما تزايد صفير الوحدة في أذني وضاقت بي الحياة، لأبهر عينيّ ونفسي بمنظر أخّاذ يتجسّد في لوحة واقعية تجمع بين احمرار الغروب المشتعل، وتناثر السحب العبثيّ، والأخضر الياقوتيّ الذي يغطّي العشب جرّاء انعكاس الأشعّة عليه، ونسيم يمتصّ الألم من رأسي وإن كان الوحش في أعتى مراحله. أُسمّي لوحة الحياة الواقعية تلك جنّة الجحيم، كونها تجمع اللهيب والاخضرار، وفي كل مرة تطأ قدمي هناك أسحب من محفظتي ورقة وقلمًا، وأعبّر عمّا أرى بطريقة مختلفة، كنت أعتقد أن الكلمات ستنفد يومًا ما، لكنها كانت ممتزجة بدمي، كنت أشترك مع تلك اللوحة في نفَس واحد.

مددت رأسي والظلمة تلتهم النور في بطء لا يمكن للعقل تمييز التغيير من خلاله، حتى ما عاد يبدو لي إلا تلك الجواهر البرّاقة التي ترصّع السماء فوقي كثُريّا باهظة، وأنا أسترجع ما جال في خاطري، وأرتّب الصور والمقاطع والكلمات حتى أصوغ لرأسي الهشّ عصارةً مما يحدث، ويستوعب وضعه. بدا الأمر لي في البداية مستحيلًا، ما كنت أمتلك الأدلة ولا الذكريات، لكن كانت هناك ثقة غريبة تملأ جوفي، ثقة أني أحتاج لمزيد من التفكير والغوص أكثر في عقلي لأتوصّل لتلك الحقيقة التي تُشعل صدري منذ وقت بعيد. فتحت حقيبتي مجددًا وأخرجت صندوقًا صغيرًا مهترئًا وجدته في الكوخ، ثم وجدت نفسي متعلّقًا به لدرجة كبيرة، كونه يعزف سمفونية موزارت المفضّلة لديّ، ويحملني بعيدًا عن هذا الوجود الذي قاسيت فيه كثيرًا، ويُبطل الحواجز أمامي لأجول بحرية في كل الأبعاد وأتخطّى كل الحدود، وأدخل في تركيز ليس بعده تركيز، وعمق ليس بعده عمق، لأستخرج ذاكرتي المسروقة من غياهب النسيان، والدمع ينهال من عينيّ بتلقائية ويأبى التوقّف. كلما رأيت أكثر زادت ابتسامتي وضوحًا، وزادت رغبتي في البكاء كذلك، حتى مع جفاف عينيّ، وما عدت قادرًا على الذرف أكثر، استمررت في شهيق الحزن والأسى ذاك، ولم يمنعني انقطاع صوتي أيضًا من الاتصال بعقلي الباطن، بل كل ما أنهاه هو انتهاء ذاك الفيلم في رأسي، وعزف موزارت للمعزوفة الأخيرة.

فتحت عينيّ وأنا مُلقى على ذاك التلّ، مرتفعًا عن الأرض في بطء، واضعًا أغراضي في الحقيبة، عائدًا إلى المنزل بعين محمرّة، وجسدي يرتجف بردًا، لكن عقلي خالٍ من الأحاسيس. ففتحت باب الكوخ وتوجّهت صوب مكتبي، وأخرجت مذكّرتي ووضعتها في المدفأة، وأضرمت النار حتى أتدفّأ قليلًا، فلم يعد هناك خشب متبقٍّ في الكوخ، بالأحرى لم يعد هناك هدف متبقٍّ، اكتشاف الحقيقة كان المعزوفة الأخيرة في هذه الملحمة، كان المقطع الأخير، استعدادًا لإسدال الستائر. أظنّ أن عملي هنا قد انتهى، لا أعتقد أننا سنلتقي مجددًا في هذا الكون أو هذا السرد، لكني لست بغيضًا حتى أطردك الآن قبل إرخاء الستائر، فقد تركت لك هدية صغيرة، سأدعك ترى ما رأيته حينها بعينيّ هاتين، فقط دع موزارت يعزف للمرة الأخيرة…

{ لماذا كل شيء أسود؟ متى سيبدأ العرض يا تُرى؟ إني ألمح صورة بعيدة في الأفق، سأحاول أن أجعلها تتّضح أكثر، هذه الفتاة الصغيرة مألوفة للغاية، وتلك الدمية كذلك، إنها الدمية التي راودتني طوال مسيرتي المشؤومة، إنها تخصّ أخت الفتى الذي أمتلك أعضاءه بداخلي، لكن لمَ عساي أرى شيئًا كهذا الآن؟ سأحاول الاقتراب أكثر وبثّ الحياة في هذه الصورة لأرى أعمق، إني في زمنهم الآن وأرى تحرّكاتهم بوضوح، ويبدو أن الأخ يعطي أخته عطرًا وورقة، لماذا يتملّكني خوف شديد؟ إنها تضع إصبعها على زرّ الضغط بالعطر، كلّا، لا تفعلي، لمَ لا أريدها أن تُخرجه؟ لقد ضغطت بالفعل، وانتشرت رائحة الموت في الأرجاء بشكل فظيع، إن أعضائي تصرخ من هول الرائحة، إن باطني حزين. وماذا عن تلك الورقة؟ ألن تستكشفها؟ بما أنني الآن عنصر غير فعّال في هذا المقطع، كونه أحداثًا مرّت، سأقف وراءها حتى أرى ما بالورقة. ليتني لم أفعل، ما أبشع الألم الذي في رأسي الآن! إني ألتوي كسحلية الآن، لمَ عساي أرى فتاة الموت تلك مجددًا؟ ماذا؟ أنا أسمع صوتًا أيضًا، ظننت أننا نرى فيلمًا صامتًا، لقد أوصل أحدهم أسلاك الصوت على ما يبدو، سأُنصت بتمعّن، هذا مهمّ هذا العطر هدية، وهذه الصورة رسمتها لكِ معبّرةً عنكِ في المستقبل. الآن فهمت الأمر، فهمت خوفي الدائم من تلك الفتاة وانزعاجي منها، لم يكن مطلقًا بسبب ما قالته عنّي، بل بسبب ما قالته عن نفسها، رغم محاولات عقلي المتكرّرة في إخفاء الحقيقة، وحبك السيناريو بأدقّ تفاصيله، إلا أن الواقع لا يمكن تمثيله أبدًا، والحقيقة لا بدّ أن تنكشف، فلم يكن للفتاة وجود، إنها محض إسقاط لما رآه أخوها آنذاك على الواقع، إرادة الفتى لا تزال تنضح في أعماقي، إنها هلوسة محكومة، أدركت حواسّي العكس لكني تجاهلتها، لم يكن للرائحة وجود إلا بعقلي، إني أُلبّي طلبات الموتى في داخلي. ماذا؟ إنه الفصل الثاني، وهذا فتانا الآخر الذي كان متغطرسًا وانتهى به المطاف بالانتحار، يكتب في حزن شديد في أوراق مذكّراته عن شخص عزيز عليه على ما يبدو، يداه ترتعشان بجنون، سألقي نظرة عن كثب على ما يكتب، إني أرى مواصفات مطابقة للتي في مذكّراتي، كلّا، إنها نفسها، لم أعد أستغرب الآن، فالصدمة الأولى جهّزتني لمثل هذه النتائج. ذاك القلم هناك تنبعث منه نفس الرائحة التي كانت في مذكّرتي، سأقرأ بضعة أسطر حتى تتّضح الصورة أكثر لم يستطع أحد في هذا الوجود أن يفهمني ويفهم طريقة تفكيري ويتقبّلني كما أنا عداكِ، لقد كان الوقت الذي قضيته معكِ الوقت الوحيد الذي أحسست فيه بنبض قلبي، أحسست فيه بالنقص بعدما ادّعيت الكمال، أحسست أني كنت في حاجة إليكِ مهما تصاعدت في الحياة علمًا، لكنه أخذكِ بعيدًا، لقد خُنتِ العهد أننا سنؤول للتراب سويًّا، وسبقتِني إلى هناك، لكني لن أحتمل هذه الحياة مع هؤلاء الأهل المزيّفين أكثر، أنا سألحق بكِ، وسأترك عطركِ على هذه الكلمات يفوح ويُحييني إن كنت سأحيا مجددًا بطريقة ما…. أجل، لقد تمّ إحياؤك، وأُحيي معك ألمك، لقد حييتَ داخلي مرة، وراودك الشوق الأزليّ تارة، لقد حييتم كلكم دفعة واحدة، لكني مكثت ميتًا واضعًا على خدّي دمعة، أرى فيكم حياة ولهفة، أنتم أحياء رغم أنكم أموات، وأنا ميت رغم أني حيّ، لذا سأجلس على الكرسيّ الهزّاز، وأدع الزمن يعود بي مجددًا، وأبدأ قصة حياة ميت…"

المطر غزير بشدّة اليوم، تكاد لا ترى شيئًا أمامك غير صور خابية للأبنية والأشخاص حولك، يضرب البرق بشكل مفزع ليضيء المكان لثانيتين غير مكتملتين، فتبدو فتاة صغيرة في نهاية الطريق…