
1 من 6 · 11 دقيقة
الفصل الأول
أنقل لكم حكاية من غابر الأزمان. حكاية من عالم غريب، عالم نعيشه وعشناه. أنقل لكم بعضًا من الرعب المحبوك داخل رأسي. إنها حكاية قرية ليست بالكبيرة وليست بالصغيرة، في ضاحية بلاد سلمت من شرور الحرب لمدّة تتجاوز المائة عام، يحتفل أهلها كل سنة بعيد شعائريّ يتمّ فيه تقديم أحد الكائنات الحيّة قربانًا لإلههم حتى يرضى عنهم.
وفي سنتنا هذه، 32156 حسب التقويم الكونيّ، تمّ تقديم بقرة ضخمة قربانًا، حيث طُبخ لحمها واحتُفل لساعات مطوّلة. لاحظ أهل القرية أن لحم البقرة كان فتيًّا بطريقة غير طبيعية، وبمذاق ساحر كما لو أنك تطعم شيئًا من الجِنان، لكن سرعان ما نسبوا هذا لمعتقداتهم، ليصرخ أحد العجزة بصوته المتقطّع وعيناه مملوءتان ثقةً: إنه رضا الله عنّا… نحن كسبنا رضاه، مضيفًا أحد الفتية الصغار: أجل… يبدو أن أبقار هذه القرية قد بوركت. ضحك الجميع بقهقهات متزايدة في السماء، مستمرّين بالأكل مباشرة بعدها، إلا الأخ الأكبر لهذا الفتى، كان يكبره بسنوات قليلة، وكان يتّسم بقليل من الفطنة والدهاء، تمعّن في جملة أخيه الأصغر مستشعرًا خطبًا ما لكنه لا يستطيع بلوغه. استمرّ في التفكير حتى بدأ مستوى تركيزه على الأمر يضعف شيئًا فشيئًا في خضمّ كل الأجواء التي تعمّ الأرجاء، فانغمس في الحديث مع أحد أقربائه من أقرانه حول تقدّمهما في الدراسة، وأشياء خاصة بينهما لم أستطع أن أدركها لشدّة حرصهما على كتمها، ليسقط ناظراه على عجوز مجوّف العينين، نال منه الدهر، زاحفًا بعصاه نحوه. أشفق الأخ الأكبر على هذا العجوز، فاقترب منه حتى يسأله عن مراده، وهو في طريقه إليه ألقى العجوز بضع كلمات: أبلغ تحياتي أمّك، فقد ساعدتني وصفتها على العلاج حقًّا.
فور أن بلغت هذه الكلمات مسامع الفتى بدأت قدماه بالارتجاف، وقلبه بالنبض بشكل جنوني، تكاد روحه تُقتلع من جسده من شدّة الرعب المخيّم عليه. كانت نظرته تدلّ على مزيج من الهلع والاستغراب. لماذا هذا الشعور يا تُرى؟ مردّدًا الأخ: لا تحتوي هذه الجملة أدنى خبر لشيء مزعج أو مريب، فما بال هذا الشعور؟ إنه نفسه الذي انتابني بعدما سمعت أخي يتحدّث عن البق-. أجل، لم يكمل الفتى جملته، التوى لسانه في حلقه، وبدا كما لو أن شبحًا غشّى عينيه، فلم يعد يبصر أمامه إلا ظلمة حالكة تشتدّ مع ضربات قلبه الجنونية، لقد أدرك الغلط الذي يتخلّل جملة أخيه السابقة. تذكرها، صحيح؟ أجل، لقد بلغ ما كان يبحث عنه في تفكيره، وتمنّى لو لم يفعل. القرية لا تمتلك أبقارًا، صرخ عقله في باطنه. نحن لم نحلم بلحم البقر في البلد بأسره منذ أكثر من ألف عام، مضيفًا الفتى، وكان ما قاله بسبب تفشّي مرض غريب قتل كل أبقار البلدة بين ليلة وضحاها، لكننا الآن لا تهمّنا هذه الحادثة ولا تفاصيلها، فقد مرّ عليها ألف عام ولفّها الغبار. ما يشغل بالنا الآن هو هذا التناقض الحاصل: كيف عساك تأكل لحم حيوان غير موجود؟ لكن في الحقيقة ليس هذا ما يشغل بالك الآن ويجعل وجهك يُبدي علامات الاستغراب، وليس هذا كذلك ما بثّ الرعب في بدن الفتى. أجل، أنت تعرف جيدًا ما الذي أتحدّث عنه. حسنًا، سأدعه هو يخبرك إن لم تكن تعرف. من هو؟ لا داعي لتعرف هذا الآن، هذه معلومة ثانوية… فيقول هو بصوت هامس يشدّ أنفاسك: كمأ لاح فيك. تبدو لك مجرّد جملة غير مفيدة مبعثرة، وتبدو على وجهك ملامح الغضب وأنت تردّد: ماذا عسى هذا المخبول يقول؟ سأترك هذه القصة المروّعة جانبًا وأكمل حياتي، فحتى تماسك الأحداث يبدو ضعيفًا. حسنًا لا بأس، أنا لا ألومك، يمكنك الانسحاب، لكن قبل أن تفعل اقرأ ما قاله لك هو من اليسار إلى اليمين، ثم غادر. ماذا؟ لا تريد الذهاب الآن؟ تريد المزيد؟ حسنًا لا بأس، لقد سامحتك، لكن ما دخل أمّك؟ ليست أمّك أو أمّي، بل أمّه. إنه ينظر إليك الآن بعينه الحاقدة، وكلّه كراهية، ينتظر الفرصة ليقتلع رأسك من مكانه… من هو؟ حسنًا، سأخبرك لأنك لا تكفّ عن الإلحاح. لكن كلمتان خفيفتان قصيرتان، والاستنتاج عليك، فأنا لا آبه حقًّا إن كنت تجيد ذلك أم لا… روحه المعلّقة.
حسنًا، احتفظ بهذا ودعنا نعود إلى 32156 حسب التقويم الكونيّ، حيث لا يزال قلب الفتى ينبض بجنون، فيقول بصوت متلعثم: كيف عساي أنسى أمّي؟ وكل شيء متعلّق بها؟ فتقاطعه يد قريبه على كتفه ليقول بصوت عالٍ: ماذا عساك تقول؟ لا بدّ أن اللحم جعلك تهلوس! فقهقه الجميع بأصوات متزايدة، ليطمئنّ قلب الفتى بعدها مباشرة، وأكمل الاحتفال مع أهل البلدة، لينتهي عند بزوغ الفجر، قاصدًا كلٌّ منهم مسكنه. ليدخل فتانا إلى منزله فيجد أمّه ملقاة على الفراش، نائمة، أرهقها التعب، تعب الطبخ والتحضير للحفل. استلقى الفتى وأغمض عينيه لوهلة ليغوص عميقًا في نومه، فيجد نفسه وسط غرفة حالكة الظلمة تحيط بها جدران كاتمة للصوت… كاتمة للصوت بشكل مريب لدرجة أنه يسمع دقّات قلبه وتدفّق الدم عبر عروقه. ومن شدّة الفراغ المهيمن على الغرفة بدا عقله عاجزًا عن تصوّر الوقت: كم مضى على مكوثي هنا؟ دقيقة؟ ساعة؟ يوم؟ قرن؟ لا ينفكّ لسانه يتمتم بهذا، وصوته يرتدّ إليه في كل مرة كما لو كان شبحًا يطارده. كان من الوحشة في الغرفة ما يكفي لإخافة مجرم قاتل وتهدئة وحش ضارٍ. حاول الفتى في البداية أن يتمالك أعصابه كونه إنسانًا عاقلًا، وليس بمجرم ولا بوحش ضارٍ… فشرع في الغوص عميقًا في أفكاره مزيلًا بذلك حاجز الخوف القابع أمامه، ليومض أمام عينيه اسمه بشكل غريب، فيتذكّر هويّته وآخر ما كان يصنع قبل أن يُلقى به في غرفة الهول أو مسقط الجحيم كما سمّاها. لقد كنت مُلقًى على السرير… أجل، كان يومًا حافلًا فنمت من تلقاء نفسي… ظلّ الفتى يردّد هذه الجملة عدّة مرات، محاولًا بذلك جمع أكبر قدر من المعلومات لتُبقيه متماسكًا في هول الغرفة، لكن قلبه يأبى الانصياع له، إنه يخفق كما لو كان حصانًا، جبينه يتصبّب عرقًا، واللون الأصفر ترك بصمة جليّة على وجهه. إنه يعلم من أين له بهذا الشعور البائس، وجملته تتخلّلها كذبة من نوع فريد: أنا لم أكن منهكًا بعد الحفل، حتى أنني لا أذكر مرة واحدة تثاءبت فيها، ولا أذكر مطلقًا ما أتى بي إلى هنا. هذا ما صرّح به لسانه، وكان هذا هو الغلط الذي سيقلب مجرى حياته. تسألني كيف ذلك؟ توقّف عن الأسئلة وأكمل القراءة.
مضت على الفتى شهور، بل أعوام… أنا حقًّا لا أدري المدّة بالضبط، لكنها طويلة بما يكفي لتتطوّر فيها أمّة، لكنه لا يدري مطلقًا بها. بدأ الفتى يفقد عقله شيئًا فشيئًا وهو يتخبّط بين جدران الغرفة. ظلمة كظلمة السواد المطلق، وهدوء كهدوء الكون قبل الانفجار العظيم، الفتى يفقد الشعور بمعظم أعضائه في جوّ مريب، فمفاصله باستثناء يده اليسرى تشنّجت كونه نسي نفسه جالسًا أعوامًا، وذاكرته قد ضعفت، وكيانه تداعى، حتى أنه وضع يده اليسرى على رأسه فلا يتحسّس شعره. هل عساي أشيخ؟ هل سأموت هنا؟ مهلًا، هناك شيء ما أشعر أنني نسيته وأكاد أذكره! هنا حيث كانت الأفكار تراود الفتى كما لو أنها وحي من السماء، فلا وجود لما قد يحفّز الذاكرة في مسقط الجحيم… إنه الطعام، الماء، كيف عساي لا أجوع ولا أعطش؟ أدرك حينها أنه أمام احتمالين لا ثالث لهما: إمّا أن هذا كابوس اجتاحه من حيث لا يعلم، وإمّا أنه حقيقةً نُقل إلى الغرفة كنوع من العقاب، وأنه لم يعد نفسه، ولا جسده الذي يدركه كإنسان، فهو لا يستطيع رؤية جسده أو تحسّسه. أم هل أنا ميت حقًّا؟ وهذا هو فراغ ما بعد الموت؟ ماذا عن ديني؟ كل الوعود وكل التضحيات… أين أنا يا إلهي؟؟؟ ردّد بأعلى صوت له، ليطنّ الصوت في الغرفة آلاف المرات في الثانية، متزايدًا بذلك في حِدّته كل مرة، حتى صدّع رأسه الهشّ وأرداه قتيلًا.
لنتقدّم 132 عامًا بعد الحفل، تحديدًا سنة 32188 حسب التقويم الكونيّ. المشهد يبدو لك من زاوية غير واضحة، جنديّ منخفض على ركبتيه، أمامه جدار مصنوع من أشباه الطين، يحمل في يده شيئًا ما، شيئًا لا تستطيع التعرّف عليه. صوت فظيع عالٍ يصل أذنك كما لو أن شيطانًا مريدًا يلفظ أنفاسه وفحيح النار يلتهم جسده. يبدو التشبيه غريبًا بعض الشيء، لكن ثق بي، إنه أدقّ ما أستطيع الوصف به، وستوافقني لاحقًا. دعنا من الصوت، فالنيران تبدو لك تلتهم جسد الجنديّ المنخفض أيضًا وهو يئنّ من الألم. سقط من يده ما كان يحمله. لقد كانت بندقية بكل بساطة، بندقية فوهتها موجّهة نحو جنديّ آخر. يشتدّ صراخ الجنديّ المحترق حتى يبلغ أقصاه، ويدنو في نحيب يمزّق قلبًا هشًّا، ليتحوّل إلى رماد. ترتفع الكاميرا قليلًا في السماء فتبدو لك كتل كثيرة مشتعلة. إنها أجساد بشرية تحترق، واحدة تلو الأخرى، دون أيّ سبب واضح.
حسنًا، أعتقد أنني تقدّمت كثيرًا بالوقت، دعني أعود قليلًا حتى تكتمل الصورة لديك بشكل أوضح. خمس سنوات قبل المشهد. يا للهول، ما أبشع هذا المنظر! أرجوك لا تنزعج، فهذا ضروري حتى تفهم ما يجري. أنت داخل قبو تملؤه رائحة الجثث والدم الخاثر، رائحة تجعلك تتمنّى لو تفقد أنفك. دعنا نُلقِ بعضًا من الضوء على ذلك الجانب. كل شيء مقطّع، كل شيء مصلوب، هل هؤلاء بشر حقًّا؟ هل كانوا يومًا قطعة واحدة؟ أليسوا شياطين معلّقة أو غيرها من مشاهد أفلام الرعب؟ كلّا، إنهم بشر مثلك، بشر خسروا حياتهم. كلّا، لم يخسروها، بل بتعبير أدقّ باعوها. دعني أسرد لك القصة جيدًا، وحاول ربط الأحداث.
كان حاكم البلد حينها ينهج نهجًا غريبًا يجعل من الحياة كلعبة قمار، كان قد جلب للبلدة الأمن والأمان، وأعاد الأبقار إلى التواجد من جديد. أجل، إنها نفس بلدة الفتى في البداية، مرّت عليها 127 سنة. نحن الآن في سنة 32156، فقد تربّع هذا الحاكم على العرش قبل سنتين من هذا التاريخ. هذه محض أرقام غير مهمّة، لن يؤثّر تذكّرها على فهمك للأحداث. منح الملك المال والمسكن والمأكل لكل شخص على أرضه التي يحكمها، كانت المبالغ الممنوحة شهريًّا كبيرة للغاية، بل قد يكفي نصيب الفرد الواحد أهل قرية صغيرة أسابيع، ولم يسبق للملك أن أخلف وعده أو تأخّر في الأداء. بعد 10 سنوات من اعتلائه الحكم اندثرت من البلدة طبقة اليد العاملة من فلّاحين وعمّال، وكثر البرجوازيّون وانتشروا في كل مكان، بل صار كل من يحمل في دمه قطرة من عِرق البلدة - أو جنّة الأرض كما دعاها أهلها - يفتخر به أشدّ الفخر. استمرّ الوضع على ما هو عليه لبضع سنين أخرى، لكنك تردّد في نفسك: كيف عسى الملك أن يؤمّن كل هذه الثروات مستغنيًا بذلك عن العمّال والفلّاحين؟ لو كنت تسكن جنّة الأرض ما كنت لتطرح هذا السؤال مطلقًا. إنه سؤال بشع يثير الاشمئزاز. ناولني ذاك الشراب، ولنذهب في رحلة حولماياهافوق جيادنا الأصيلة. هذا ما كان ليجيبك به أحد أهل البلد، متجاهلًا سؤالك تمامًا.
تلمح الآن تجمّعًا مريبًا في ساحة العاصمة… يتبع