
2 من 6 · 19 دقيقة
الفصل الثاني
لقد تمّ إنشاء ملهًى ضخم، ضخم للغاية، يحوي كل أنواع الترفيه والألعاب المتعدّدة، ليقضي فيه هؤلاء البرجوازيّون وقت فراغهم. تهافت على الملهى الناس من كل أنحاء المدينة، صغارًا وكبارًا، نساءً ورجالًا، كما لو أنهم كانوا ينتظرون هذا الحدث منذ مدّة طويلة، لكن ما لم يكن يدركه هؤلاء هو أن تذكرة الدخول كانت أغلى ما يملكون. نحن الآن نراقب من زاوية علوية التطوّر الزمكانيّ للبلدة، في مشهد مُسرَّع، والبشر يدخلون الملهى كالنمل، وعلى يسارك ترى رقمًا كبيرًا بعض الشيء، لا حاجة لذكره الآن، ويبدو لك في تناقص مستمرّ حتى انتابك نوع من الهلع. ما هذا الرقم؟ إنه عدد سكان البلدة، ينخفض بشكل مهول. تقول في نفسك الآن إنه يستحيل أن يكون هذا الانخفاض محض وفيات طبيعية، كما لو أن ثقبًا أسود يبتلع البشر. أجل، أنت محقّ، بل وقد اقتربت من الإجابة بشكل كبير، أهنّئك على حذاقتك. والآن اجلس واستمرّ في القراءة، وتوقّف عن حرق الأحداث على نفسك. كما قلت، السكان يختفون يومًا تلو الآخر، والكل لاحظ الأمر، لكن لم يجرؤ أحد على السؤال أو التطرّق للأمر، فشهوات كلٍّ منهم محقّقة، ويمكنه ولوج الملهى ما دام يريد ذلك، فلا حاجة له للقلق على غيره.
والآن قد حان دورك لتدخل. أجل، أعلم أن الفضول قد تملّكك بشكل جنوني، ها أنت ذا تقف على عتبة الملهى، تدخل وعيناك المتّسعتان تجولان في المكان بلهفة، وأول ما يسقط عليه ناظرك آلة ضخمة بألوان مبهرجة يعتليها شخص بلحية بيضاء كثيفة وجسد ضخم، تقترب أكثر منها لترى عمّا تتحدّث، إنها آلة قمار لربح الطعام. ماذا؟ طعام؟ ألم تقل إن أهل البلدة يمتلكون كل ما تشتهي أنفسهم من مال وطعام؟ أجل، أجل، أرجوك لا تقتلني، اقترب أكثر واضغط زرّ التجريب لأول مرة، ودع الآلة تمسح بصمة يدك للتأكّد من هويّتك، انخفض قليلًا واسحب وجبتك. ما بال وجهك؟ كما لو أنك رأيت شبحًا! ماذا؟ الرائحة؟ حسنًا، توقّف عن هذه الكلمات المتقاطعة وخذ قضمتك، وبعدها دعنا نتحدّث.
لقد أُغمي عليك. ليس سمًّا، استيقظ، لا تبالغ، أنت حقًّا تجيد التمثيل، أشكرك على مجهودك. حسنًا، لقد أُغمي عليك من شدّة مثالية المذاق، فعقلك لم يستطع الاستجابة لذلك فأطفأ نفسه. إنه مذاق كونيّ لا يتّصف بالنقص أو العيب. هذه هي الجوائز التي تحصل عليها إن ربحت في هذه الآلة. كل ما عليك هو إدخال قدر من النقود التي يملك منها أهل البلدة الكثير. يدفعك رجل ضخم بدين تعتلي رأسه شعيرات قليلة، باديةً على وجهه علامات اللهفة والشوق المنقطعَي النظير، يسحب من جيبه مبلغًا ضخمًا فيضعه في الآلة دون احتساب، مردّدًا بصوت خافت هذه المرة، هذه المرة، هذا ما حصلت عليه مقابل بيعه… يُدير عجلة ضخمة بيديه المتعرّقتين، ويضغط على زرّ وجبة ما لا أذكر اسمها، فتطلب منه الآلة ترتيب خمسة مربّعات من رموز مختلفة تبدو كشيفرة ما، فيضع ترتيبًا عشوائيًّا لتُظهر له الآلة علامة بلغة ما باللون الأحمر الغامق. كان اللون كافيًا لتستنتج ما يحصل. لقد أخطأ. تنفتح الأرض تحته فيسقط في مرأب تحت الملهى، فتبدأ بسماع صراخه ينقص شيئًا فشيئًا مع انغلاق الباب الأرضيّ، فيذكّرك هذا الصراخ بصراخ الجنديّ في مشهدنا السابق. أجل، كان ذلك مماثلًا. لكنك لا تزال في حيرة من أمرك، هل يستحقّ الرجل البدين عقابًا كهذا فقط كونه خسر في لعبة؟ لمَ لم يساعده أحد؟ لمَ يتصرّف الكل كما لو أن الأمر لا يعنيهم؟ أجل، الأمر حقًّا لا يعنيهم، وإن كنت مكانهم ما كنت لتتدخّل أيضًا. دعني أخبرك بمقتطفات من حياة ذلك الرجل البدين. لقد كان مواطنًا عاديًّا يعيش حياة الرفاهية رفقة عائلته، حتى دخل في أحد الأيام الملهى بعد بضعة شهور من إنشائه، فجرّب كما فعلت مع الآلة وأحبّ المذاق، فبدأ يدفع ما معه من نقود تدريجيًّا حتى نفد ماله، وأخذ من نصيب زوجته إكراهًا فطلبت الطلاق، فباع كل أراضيه ومنزله، إلى أن بلغ به الحال في إحدى المرات أن باع ابنه في سوق للعبيد خارج البلدة. وكانت هذه المرة هي التي شهدتها عينك. فقد كان قانون البلدة الوحيد والأوحد ألّا تفنى أموالك وأملاكك بشكل كامل، ومن يخالف هذا يخضع لعقاب مريع. طبعًا تجاهل الكل هذا القانون، كونهم لم يتصوّروا يومًا أن تفنى أموالهم في خضمّ كل هذا الثراء، وكلما كانت مدّة نفاد مالك أسرع كان التعذيب أشدّ هولًا وأطول مدّة. دعنا ننزل للمرأب لنلقي نظرة على ما يجري. هذا هو المنظر نفسه الذي أريتك إيّاه قبل قليل للأجساد المقطّعة والرائحة الكريهة. لا يوجد عضو من أعضاء الجسم إلا وتراه مقطّعًا مرميًّا على الأرض. المشهد يبدو لك أوضح الآن. تلمح أيضًا آلة تبثّ الرعب في بدنك، ملطّخة بالدم بشكل عشوائيّ كأفلام الرعب، على رأسها فوّهة ضخمة مملوءة بالبشر، أحياءً وأمواتًا، على شكل كتلة ضخمة تنخفض ببطء، فيتمّ طحنهم بمناشير حادّة، واقتلاع أطرافهم وأعضائهم الحيوية ليتمّ عصرها بطريقة جيدة. وأغلب من شاركوا في طحن اليوم كانوا أحياء، فأصواتهم تعمّ الأرجاء، والدماء الناتجة عن الطحن ترشّ الجدران. تصنع لك هذه الآلة في النهاية مسحوقًا رماديًّا لا تعلم لمَ يصلح. حسنًا، دعنا نرى هؤلاء الحرس الواضعين أقنعة مدبّبة على رؤوسهم، ماذا عساهم يصنعون به؟ واحد منهم يمسك وعاءً كبيرًا ليقوم الآخرون بملئه بذلك المسحوق، ووضعه في دوائر مرسومة على الأرض، فيبدؤون بتلاوة طلاسم يتعذّر عليّ فهمها، ليتحوّل الرماد لذهب مطحون صافٍ، أكثر نقاءً من أيّ ذهب رأيته في حياتي. يضعون هذا الذهب في صناديق موصدة بإحكام لا تُفتح إلا بأمر من رئيس الحرس، فيهمس أحد الحرس في أذن صديقه: دفعة اليوم لم تكن كبيرة، حتى الذهب لم يُثرني. لم يكن هناك أحد يعرف ما يجري هنا. كل ما يعلمونه أن هنا ما يكفي من الألم ليتجنّبوه.
مرّت السنوات وأهل البلدة في تناقص مستمرّ، فكثر الاقتتال بين الناس، حتى صارت عصابات منظّمة تهدّد بتعذيب أكثر مما يحدث في مرأب الملهى إن لم يُقدَّم إليها المال أو إحدى الجوائز. لا تظنّ أن كل ما كان يمنحه الملهى هو الطعام، فقد كان يحتوي أكثر من ألف آلة موزّعة بالتفاوت على مائة طابق. سأحاول أن أخصّص له نصيبًا في القصة أشرح فيه بعض الآلات، دعنا نكمل المهمّ الآن. بدأت الهجمات على الملهى تتزايد وتشتدّ حدّتها بمختلف الطرق، إلا أنها تفشل فشلًا ذريعًا في كل مرة، ويُذاق أصحابها ويلًا أشدّ بأسًا من الجحيم. لكن كانت هناك فرقة لا أعلم إن كان يصحّ تسميتها بالعصابة، كانوا يقفون في المنطقة الرمادية، بين الأبيض والأسود، كانت تمتلك بعض المعلومات التي لا يعرفها أحد، حول المسحوق وماهيّته الكيميائية، وحتى نبذة عن أصحاب الملهى، بحيث كانوا ملاحقين من طرف الحاكم، وتوجد جوائز حقيقية على رؤوسهم. سأدع رئيسهم الحاليّ يكمل لك القصة، فهو أعلم منّي بما يجري، وقد لا يسبّب لك الملل كما فعلت أنا.
نحن الآن في سنة 32188 تحديدًا، افتُعلت حرب ضارية، وأنا أحاول الآن أن أتجنّب الخسائر البشرية في فرقتي. سبب الحرب لم يكن أبدًا المشاكل الأهلية للبلدة، بل كانوا هم من افتعلوها، هم جلبوا الآلات للملهى، هم من كانوا يأخذون مسحوق الذهب، والذي اتّضح لنا فيما بعد أنه لم يكن ذهبًا، ولا نعلم حتى الآن ما كان ذلك، لكنهم دعوه في أحد اجتماعاتهم السرّية بالإكسير، إكسير تستطيع أن تصنع منه ما تريد، بطرق مخفيّة لا يعلمها إلا هم. كان الملك يقدّم ذلك الإكسير المصنوع من أجساد رفاقنا وعائلاتنا مقابل أيّ شيء يريده، حتى الحيّ منها. يبدو أنني أكثرت عليك بالمعلومات، أخشى ألّا تتابع معي تسلسل الأحداث، لهذا سأتوقّف لأشرح لك بطريقة جيدة فور أن نعبر ذلك الجسر ونُخلي ساحة المعركة، فالرصاص العشوائيّ يعمّ المكان، وأخشى أن أموت قبل أن أُتمّ مهمّتي.
لقد وصلنا، هذا جيد، والآن استمع جيدًا. كما تعلم سابقًا، كان الملهى عبارة عن حفرة صنعوها لالتهام البشر والحصول على الإكسير، لكن فور أن انتهى الجيل الأول، أبى معظم الجيل الثاني أن يسقطوا كما فعل آباؤهم، فانخفض إنتاجهم للإكسير، خاصةً مع محاولاتنا المتكرّرة لتحذير الناس، لكن اتّضح ألّا طريقة لإيقاف تلك الوحوش، فقد عمدوا إلى افتعال حرب لأسباب دينية وعقائدية ومالية لا يوجد فيها فائز، بل كل ما سنخرج به، أو بالأحرى سيخرجون به، هو حفنة من الجثث. ونحن الآن نحاول بلوغ الملهى للحصول على صورة للدوائر المستعملة لإنتاج الإكسير، فالمسحوق الرماديّ الأوّليّ سبق وأخذنا منه عيّنة بشقّ الأنفس، لكن بعد هذه الحادثة شدّدوا الحراسة، فحتى الذباب لم يعد له مدخل للمرأب. حسنًا، ها قد شرحت لك الوضع، لكني لا أزال أرى في عينك نبرة من التساؤل، وأستطيع أن أحزر أن هذا التساؤل عن هويّتي. لم أبُح بهويّتي الحقيقية لأحد بعد، لكن بما أنك وثقت بي وعبرت معي الجسر دون أن تعرف عنّي أدنى شيء، بالإضافة إلى أنه لا يستطيع أحد سماعك هنا، ولا تستطيع التأثير في واقعنا، فلا بأس في أن أخبرك من أنا. تذكر الفتى والبلدة وكل تلك الأحداث في البداية، صحيح؟ حيث قيل لك إنه قُتل داخل غرفة مظلمة، لا بدّ أنك قد اعتقدت أنه كان حلمًا، وأنه ترك الحقيقة خلفه حيث كان الحفل وأمّه ملقاة على الفراش، حسنًا، من المؤسف أنك على خطأ، لقد كان الحلم هو احتفاله مع أهل القرية وأكله للحم البقر، أما تواجده في الغرفة المظلمة فكان حقيقة عمرها أكثر من ألف عام. لم أقل إن تلك الأحداث خيالية أو من نسج خيال الفتى حينها، إنها أحداث شبه حقيقية كان يتذكّرها وهو حبيس مسقط الجحيم. آسف، ستكون آخر مرة أقوم فيها بالعبث بعقلك، سأشرح لك جيدًا ما يحدث، لكني سأترك أشياء مبهمة في نفس الوقت، فلكلّ شيء ثمنه. أول هذه الأشياء أن تنسى أمر التقويم الكونيّ وتلك الأرقام، لكن لا تقلق، فالمُهَل الزمنية التي قرأتها كانت صحيحة، كل ما أطلبه منك أن تنسى ذلك التقويم وحسب، فقد يعيق فهمك للأحداث. حسنًا، لنبدأ. في وقت مضى، قبل ألف عام، بدون تقويم، كانت مجموعة من البشر يقومون بتجارب على الحيوانات والنباتات لتطوير الإنتاجية، لكن كان التطوّر بطيئًا للغاية، وكان أشخاص مجهولو الهويّة يُدعَون بالعائلة يموّلون الأبحاث، لكنهم سرعان ما بدؤوا يفقدون صبرهم لرؤية النتائج، ويفكّرون مليًّا في إيقاف التمويل. وقبل يوم واحد من إغلاق مراكز الأبحاث، خطر لعالِم في الثلاثينيات من عمره، وهو يشاهد قفص فئران لآخر مرة، شيءٌ لا يخطر على البال، ألا تستطيعون أن تضحّوا بحياتكم لأنجو أنا؟ وجّه هذا الكلام مباشرة للفئران، هذا يبدو جنونيًّا، لكن هل يوجد في حياة العالِم شيء يفتقر للجنون؟ أمسك فأرين والجنون يسيل من عينيه، فهو يرى أن حياته ستضيع، وسيتشرّد هو وعائلته في الشارع، رمى الفأرين في آلة غريبة كان قد اخترعها كمعزّز للنشاط البيولوجيّ للخلايا الحيّة عبر تعريضها لحزم مكثّفة من إشعاعات غاما، وقام بربط الآلة بمولّد للطاقة يعمل بالتفاعلات النووية، أي أن الطاقة المعطاة للآلة كانت خيالية. أدار زرّ آلته العجيبة وهو يعلم أن هناك احتمالين، الأول أن ينفجر هذا المكان وأرتاح من عبء الحياة، والثاني آمل أن نكتشفه الآن… نطق بصوت متذبذب، فاشتغلت الآلة وهي تُصدر صوتًا غريبًا للغاية، ورائحة كريهة تملأ المكان، استمرّ الأمر حوالي الخمس دقائق، حتى نفد الوقود النوويّ الذي يزوّد المختبر بأكمله، فكانت النتيجة أغرب من الخيال، كان هذا أول ظهور للإكسير. في اليوم التالي، الذي كان من المقرّر فيه إغلاق المركز، قدّم عالِمنا لأحد مستشاري العائلة المموّلة عيّنة مما اكتشف، فأوقفوا أمر الإغلاق ظنًّا منهم أنه صنع الذهب، إلى حين دراسة ما كان ذلك. بعد أسبوع من الواقعة، ولأول مرة، أتى أحد أفراد العائلة المموّلة بنفسه، على كرسيّ متحرّك، وقناع حديديّ على وجهه، ومؤقّت غريب على صدره، بدأ يستفسر العالِم عن تفاصيل صنعه، فأخبرهم، دون أن يشعر، بتسعين بالمائة مما كان يعرف، فعرض عليه أن يستمرّ في التطوير والبحث في الإكسير، ويترك أيّ بحث آخر كان في خضمّ إنجازه. قبل العالِم بكل شوق عرض العائلة، فاستمرّ بالتجارب وإنتاج الإكسير بواسطة الفئران وبعض الحشرات أيضًا، وفي كل مرة كان ينتج فيها قدرًا من الإكسير كان يرسله لهم، ولو كانت الكمّية صغيرة. في يوم من الأيام وصل العالِمَ طلبٌ من نوع ضخم، كان من العائلة نفسها، مقابل مبلغ خياليّ من المال، أغشى عينيه بالكامل، فوافق بتوقيعه دون أن يقرأ معظم الشروط. كان الطلب حول إنتاج ما يقارب العشرة أطنان من الإكسير، وكان قد سبق وطوّر الآلة الصغيرة البدائية لتصير آلة ضخمة تعمل فقط ببصمة يده، وتستطيع إنتاج أضعاف الأولى، لكن ما كان يفتقر إليه هو العناصر الحيّة، فقد جرّب الأشياء ولم تُفلح. فكّر طويلًا في الأمر، فهو يحتاج شيئًا كبيرًا حيًّا يوجد منه الكثير في البلدة، وله معدّل إحيائيّ مرتفع، وهو معدّل يعطيك كمّية الإكسير النظرية الممكن الحصول عليها بعد العملية، وكان العالِم وحده من يعرف كيف يتمّ حسابه، فوجد في لائحة الكائنات الحيّة الموجودة في البلدة أن الأبقار قد تسعفه، فأرسل للعائلة رسالة يطلب فيها منهم أن يرسلوا له بعض الأبقار كي يستطيع تلبية طلبهم، لكنه لم يتوقّع مطلقًا ما قد يرسلونه له، لقد استجابوا لدعوته في أقلّ من 12 ساعة، وجمعوا له كل أبقار البلدة في مستودع ضخم لا تستطيع العين بلوغ آخره. أحسّ عالِمنا بتأنيب الضمير كونه سيُفقد أهل البلدة كل الأبقار فقط لإشباع رغبة عائلة مجنونة، لكن النفس البشرية ضعيفة أمام الإغواء، فقد ضاعفوا المبلغ مئات المرات، فخضع لطلبهم وأنتج لهم العشرة أطنان من الإكسير، ومُحقت في تلك الليلة الأبقار من تلك البلدة.
اعتزل العمل نتيجة لما كسبه من مال، وعاش مع زوجته وأولاده في رخاء مادّيّ، إلا أن تأنيب الضمير كان يلاحقه أينما انتقل، فراسلته العائلة في إحدى المرات كي ينفّذ طلبًا مجنونًا آخر، لكنه ردّ بالرفض التامّ والمطلق، ناسيًا أنه لم يقرأ كل بنود العقد الذي وقّعه، والتي كان أحدها أنه يُمنع عليه التوقّف نتيجة لرغبته الخاصة، وأنه قد باع روحه للعائلة. لم يمرّ على رفضه سوى بضع ساعات حتى وجد نفسه في غرفة مظلمة كاتمة للصوت، أجل، لا بدّ أنك تذكرها، إنها مسقط الجحيم. كانت تلك بدايته الحقيقية هناك، وليست تلك التي سُردت لك قبلًا، فما قرأته سابقًا كان آخر لحظاته قبل الموت، فقد أدخلوه الغرفة قصد تعذيبه ليبوح لهم بتلك العشرة بالمائة التي لم يبُح بها سابقًا ولا عرفها أحد غيره، وهي سرّان: الأول كيفية حساب المعدّل الإحيائيّ، والثاني، وهو الأهمّ، كيف يمكن تشغيل الآلة دون بصمة يده. طبعًا هم فكّروا في قطع أصابعه واستعمالها لتشغيل الآلة، غير أنهم أذكى قليلًا منّي ومنك، فقد أدركوا أن هذه البصمة ستضعف عاجلًا أم آجلًا مع الوقت، وليست أبدًا بحلّ عمليّ، فسيظلّون يجهلون سرّ الآلة للأبد. جرّبوا مع العالِم كل أنواع التعذيب، فقتلوا زوجته وأحد أبنائه، في حين هرب الآخر، وكل ما حصلوا عليه هو المعدّل الإحيائيّ. مرّت السنوات وهم يخشون أن يموت دون أن يخبرهم سرّ التشغيل وطريقة عمل الآلة، فقاموا بزرع مركّب داخله مصنوع من الإكسير، حال هذا المركّب دون موته، فهو يقوم بتعزيز الانقسامات غير المباشرة في الجسد، ورغم أن مضاعفاته لا تُطاق، إلا أنه يحافظ على ما يكفي من الذاكرة التي يحتاجونها. وتوارثت العائلة هذا السجين، ولم يُفلح أيّ جيل في استخراج السرّ من عقله الذي بدأ يتداعى مع مرور الزمن رغم كل المجهودات. كان الابن الذي فرّ من الموت قد تغذّى بما يكفي على الألم والكراهية ليُقسم على الانتقام، مدركًا أنه لن يستطيع ذلك في زمنه، فقام بتوريث شعلة الألم هذه عبر الأجيال لأولاده وأحفاده، والحرص على الاستمرار في سرد القصة التي شهدناها، فنحن لم نكن نعلم التفاصيل، ولا حتى الإكسير، كل ما توصّلنا إليه أن هناك سرًّا خطيرًا لا ينبغي للعائلة اكتشافه، حتى وصلت إليّ القصة من أبي المتوفّى. أجل، أنا حفيد العالِم، فقد مكث في الغرفة المظلمة قرابة الألف عام، وكل محاولاتنا لبلوغ العائلة كانت تبوء بالفشل، لكن وردنا خبر أن العائلة تعمل على مشروع يمكّنهم بطريقة ما من سحب المعلومات من عقله، فانتابنا خوف شديد، لذا حاول أبي عندها أن يُقيم اتصالًا عن بُعد مع جدّنا، كونه كان طبيب أعصاب، لكن كانت العائلة تحول دون ذلك في كل مرة، فقتلوا أبي في إحدى المرات، تاركًا لي مجموعة من الأجهزة التي كان يستعملها في طبّ الأعصاب. كان عمري حينها 17 سنة، أو بالأحرى، كما تعرفها أنت، 32156 حسب التقويم الكونيّ، زمن بداية القصة، أعلم أنني أخبرتك أن تنساه، استعملته حتى أقرّب لك الأحداث وتتمكّن من ربطها قدر الإمكان. وقد كانت تجول في بالي فكرة واحدة لأستطيع الاتصال بجدّنا وأحقّق مبتغى عائلتنا الذي دام لألف عام، كانت فكرة غير إنسانية فظيعة، لكنني تذكّرت كلام والدي، حيث قال: وُجدت الأخلاق لكبح شرّنا وليس تطوّرنا…، فشرعت في تجربة فكرتي، والتي كانت مخاطرة محضة، وكانت كالآتي: حملت جثّة أبي ونظّفتها جيدًا، وقمت بفتح بطنه، ووضعت داخلها مجسًّا يبثّ موجات كتلك التي يبثّها الراديو، وكانت مشفّرة بطريقة معقّدة لدرجة أنه يستحيل فكّ التشفير مخبريًّا، كون التشفير لا يملك خلفه أيّ معلومة متكاملة. للإشارة، فقد كنت من هواة الرياضيات والتشفير، إلا أنني أُرغمت على دراسة الجراحة، كون المنزل كان يحوي فقط كتب هذا المجال، وأيضًا نتيجة للشرح الدائم الذي تلقّيته من أبي. حسنًا، قمت بوضع الجثّة المُعدّة في صندوق يبدو كالتابوت، وقمت بنشر خبر موت والدي بين العامّة، وأنه ترك في جسده شيئًا ما يُصدر موجات غريبة تحوي سرًّا عظيمًا، فما لبثت ليلة حتى طوّق المنزلَ رجالٌ بملابس سوداء وقبّعات غريبة، ولمحت عيني شخصًا وسط هذا الحشد من السواد يرتدي قناعًا حديديًّا، وجهازًا غريبًا مثبّتًا على صدره. لم يشغل بالي كثيرًا حينها، فكل ما كنت أفكّر فيه هو كيف أستجمع قواي وأتفاوض معهم، ولم أكد أُنهي الجملة في عقلي حتى اقتحموا الباب، وتوجّه إليّ ذو القناع الحديديّ وهو يسألني هل أنت ابنه؟ هل صحيح أنه ترك السرّ بداخله؟ أنتم حفنة من الأغبياء تعتقدون أنكم ستفوزون علينا… وعيناي يملؤهما الحقد والكراهية التي توارثتها عبر الأجيال، فطرتي تعرّفت فورًا إلى الواقف أمامي، إنه فرد من العائلة الملعونة. أسكتّ الألم والغضب القابع داخلي، وحوّلته إلى أفكار، أفكار تجعلني أربح في رقعة الجحيم هذه، وقلت أجل، عائلتي أخطأت حين حاولت مجابهتكم، أنا كنت فقط أنتظر موت هذا البائس حتى أُبلغكم بالسرّ وتكافئوني. قلت هذا وشراييني تكاد تنفجر من شدّة الغضب الذي أُكنّه، ليس فقط على العائلة، بل على عقلي الذي وافق على لعبة الشياطين. أعجب رأسَ الصفيحة الأمرُ وخضوعي التامّ وتمثيلي الشيطانيّ، فوضعوني وجثّة أبي في سيارة مصفّحة كبيرة، وانطلقوا بسرعة خيالية وصولًا إلى ممرّ وسط المدينة، ثم قاموا بتخديري، ولم أفتح عينيّ إلا وأنا داخل غرفة تملؤها لوحات التحكّم، ويلتفّ حولي أشخاص ببِذَل بيضاء يتهامسون، وقلبي يخفق بجنون، كل ما كان يجول برأسي: ماذا سيفعلون بي؟ هل سيتمّ تعذيبي؟ أنا الآن في عرين الوحوش الناطقة. توقّفت عن الهلوسة، واستجمعت قواي، وصرخت بأعلى ما لديّ أين رأس الصفيحة؟ ألن نُتمّ الصفقة؟ …، طبعًا ذلك لم يكن محض استرجال، بل كنت أحمل في جعبتي خطّة دقيقة، مصاغة بدهاء كافٍ لتُقنع رؤوس الشياطين تلك، خطّة تقتضي بأن… يتبع