جحيم الجنةالفصل الثالث

3 من 6 · 10 دقيقة

الفصل الثالث

خطّة تقتضي بأن أُبرز لهم مدى ثقتي بنفسي، أو بالأحرى ثقتي بالشيفرة الكامنة داخل جثّة والدي. فعلًا، كان ذلك تمثيلًا بارعًا، ونجحت في كسب ثقتهم، لكنهم كانوا أكثر حيطة مما توقّعت، فأبَوا أن يُتمّوا الصفقة إلى حين أن يفكّوا الشيفرة فيُخلوا سبيلي، لكن في الحقيقة كان هذا جوهر الخطّة. أعلم أنك تقول إنها مقامرة، وإن احتمال حدوث ذلك كان ضعيفًا، وإنني أحاول أن أبدو أمامك بمظهر الذكيّ، لكن ثق بي، حتى أنا لم أعرف كيف صار الأمر كذلك، فقد وضعت حياتي رهينة للفكرة، كما لو أن قوى غريبة تسيّر الأحداث. استكمالًا لما حدث، قاموا بوضعي داخل غرفة غير مظلمة، مع توفير جميع الوسائل الضرورية للعيش، شريطة ألّا أبرح مكاني، فما كان لي إلا أن أخضع لذلك، وأجمع ما يكفي من المعلومات لأكمل خطّتي. فباشروا بمحاولة فكّ الشيفرة بأحدث ما يمكن للعقل تصوّره آنذاك، وأنا حبيس الغرفة، غير أني لم أكن خالي اليدين، نسيت أن أذكر أن جثّة أبي لم تكن الوحيدة التي تعرّضت لعملية الزرع، فقد زرعت في فخذي الأيسر جهازًا مجهريًّا أستطيع من خلاله التحكّم في الموجات المنبعثة من الجهاز المزروع في جثّة أبي، فقط عبر تحريك فخذي وفق أنماط معيّنة. ربما تتساءل الآن كيف لي الحصول على كل هذه الأجهزة المتقدّمة؟ هل صنعتها بنفسي؟ أكيد لا، لقد كانت مما ترك أبي من معدّات، كما لو أنه أدرك مسبقًا أن سيناريو كهذا قد يحصل، حتى أنه ترك لي تلميحات لم أفهمها في وقتها، أستخرجها من باطن ذاكرتي لأخرج من أشدّ المواقف شدّة. آسف على الوقفات المتكرّرة في القصة، كما كان يفعل الراوي السابق، لكني أعمل جاهدًا حتى أكشف الضباب عن القصة، فلا تبدو لك نسجًا من خيال مجنون. في اليوم العاشر من مكوثي هناك توجّه صوبي رجلان، ومعهما سلك غليظ كذاك الذي يُستعمل في نقل البيانات تحت الأرض، فكان للهلع في قلبي نصيب وافر، ففتح أحدهما الغرفة، ولفّني الآخر بذلك السلك الذي سيجعلك تئنّ من الألم لو ضربك أحد به، لكن لحسن حظي فهم عاملوني بلطافة، إلى أن وثقت بنفسي وبفعالية خطّتي، وبأني أخضعتهم لمشيئتي، فما انتهيت من تبجيل نفسي حتى رأيت قبضة أحدهما تبلغ بطني بسرعة البرق، أحسست فيها بتكسّر عظمة أو عظمتين هناك، حتى أن الدموع لم تُرد التشكّل من شدّة الألم الممزوج بمحاولتي عدم فقدان الوعي، فصرخ في وجهي قائلًا ما بال نظرة الطمأنينة التي تعلو وجهك؟ أنّى لك أن تكون مرتاح البال وأنت تحمل في دمك من سلالة ذاك المريد الخالد ما يكفي لمحقك؟ فيقاطعه الآخر آسف لقول هذا، لكن الشيفرة التي دعوتها بالمعقّدة قد تمّ فكّها من طرف علمائنا، واكتشفنا أنها محض خدعة، فلم يكن خلفها أيّ معلومة تُذكر، فصنعنا منها الإكسير، وأنت ستكون التالي، لنغطّي ما أنفقنا عليك من طعام…. في تلك اللحظة بالذات فقدت الأمل كما لم أفعل يومًا، وعقلي يُنتج ما طاب له من سيناريوهات سوداوية أيُعقل أن تكون هذه نهايتي؟ هل حقًّا أنا لست ندًّا لهم، وما مضى من الألف سنة إلا آمال خائبة وأحلام مستحيلة؟ ستنتهي القصة آجلًا في دوري من اللعبة؟ هل بالغت بالثقة في نفسي بما يكفي لأنقلب على عقبيّ؟ أجل، هذا ما حصل تحديدًا، ليتك أيها الكون تمنحني فرصة أخرى… ففقدت وعيي مباشرة بعد هذا الكلام الذي دام ثواني في رأسي. تلك الفرصة التي تحدّثت عنها هي ما لم تكن لتحصل عليه أنت في عالمك ذاك، وسينتهي الأمر بك كمسحوق لامع، لكن لحسن حظي أني لست في عالمك، بل في عالمي. فتحت عينيّ لأرى السقف الذي اعتدت عليه لعشرة أيام. هل كان ذلك مجرّد حلم؟ أكيد لم يكن كذلك، فالأحلام بطبيعتها غير واضحة، أما ذلك فقد كان من الدقّة ما كسب ثقتي، فما ذاك إذن؟، ظللت أفكّر على هذا النحو لمدّة ليست بالطويلة، حتى تذكّرت سريعًا أنني مررت بشيء كهذا في فترة ما من عمري، وكان سببه جهازًا صغيرًا طوّره أبي بنفسه ووضعه خلف أذني، فيستطيع هذا الأخير إجراء اتصالات معقّدة مع الدماغ، وزرع فكرة تحتوي على كلمتين كأقصى تقدير، فيقوم العقل بتطويرها واعتبارها واحدة من أفكاره الخاصة، فينشأ ما يسمّى بشبه الحقيقة، غير أن عمل هذا الجهاز يتطلّب تحفيزًا عالي التردّد من شبكة أعصاب الشخص، وبتعبير أدقّ، لا تحدث الاستجابة إلا عندما يلامس الشخص الموت أو يهلع هلعًا شديدًا، فقد سبّبت لي كل هذه الأجواء خوفًا متراكمًا في داخلي تفجّر على شكل حلم مريب نشّط الجهاز. كم أنت رائع يا أبي! ما بال هذه العبقرية القابعة في عقلك؟ كم أنت رائع… استمررت أكرّر هذه الجمل والدموع تملأ تجاويف عينيّ. استجمعت قواي العقلية مجددًا، وفكّرت في الأغلاط التي ارتكبتها، والتي جعلتني أبتغي فرصة أخرى من الكون، فخفّضت ثقتي بنفسي، ومع إدراكي المسبق بتواجد الكاميرات المبثوثة داخل الغرفة، كانت كل حركاتي مدروسة بعناية حتى لا تخرج عن النسق الطبيعي، غير أني كنت في حاجة لإرسال موجات معيّنة بالجهاز الذي أخبرتك عنه داخل فخذي الأيسر، ومع ضيق الوقت أمامي، كل ما جال بخاطري هو محاولة اصطناع حادث تُصاب فيه قدمي، وأدّعي تدليكها كي أبلغ مرادي، لكني كنت أخشى أن تتخلّل حركاتي ثغرة من نوع ما تجلب لي الهلاك، فكلما توصّلت لفكرة توصّلت معها لثغراتها ومدى قدرة صمودها أمام خبث العائلة. استغرق منّي التفكير ساعات مطوّلة حتى فقدت الإحساس بالوقت، وما أعاد لي رشدي هو مشاحنة بين سجين كان يقبع في الغرفة المجاورة لي وأحد الحرّاس، والسبب أنه يعاني من ألم في المعدة ويطالب بعلاج لذلك، فضحك عليه الحارس، لكنه ظلّ يصرخ عاليًا حتى انهال عليه بضربة جعلته يلتوي على الأرض كالخنفساء، فبدأ الحارس يضحك قائلًا التوِ كما شئت على الأرض، فذاك كل ما تملكه لحدّ الساعة أيها الحثالة كأن رصاصة طائشة أصابت رأسي، فتوصّلت إلى منطق غريب قد يسعفني في أزمتي، ففكّرت على هذا النحو بما أن جلّ الخطط المنطقية التي أصوغها لا تفي بالغرض، كون الطريق الذي أسير فيه منطقيًّا بما يكفي للعودة منه، فسأدع الكون هو من يصوغ الحدث، فحسب ما قرأت في إحدى المجلّات العلمية، فالفوضى تتطوّر مع الزمن… لربما ينجح هذا، توجّهت نحو النافذة التي يصدر منها الصوت، معتليةً وجهي ملامحُ الشفقة والغضب المصطنعة، صارخًا ألا تستطيعون حتى أن تساعدوا من هو على حافة الموت؟ أم أنكم عبيد تخلّيتم عن إرادتكم من شدّة خوفكم من العائلة؟ حسنًا، كان ذلك كافيًا ليُخرج من الحارس ما يكفي من الحقد تجاهي ليفتح الباب ويمسكني من رقبتي، ويهدّدني ببضع كلمات لم أُلقِ لها بالًا حتى، منتظرًا الخطوة القادمة، فرماني أرضًا بكل ما يملك من قوة حتى التوى كاحلي، وشعرت بمزيج من الأحاسيس كاد يودي بي للجنون لوهلة، حفنة من الألم الجسدي الذي تعرّضت له، وحفنة من الإعجاب المبالغ فيه بالذات الذي تملّكني نتيجة فوزي الساحق بالجولة الأولى. استمررت ألتوي على الأرض وأنا أدلّك قدمي بشكل عفويّ حتى لا أُثير الريبة لدى من يشاهدني من حرس وكاميرات، غير أنني كنت قد أرسلت ما ابتغيت من موجات للجهاز في جثّة أبي، فخرج الحارس، وأنا بدأت أزحف نحو سريري لاعنًا كل من حولي حتى لا أبدو بمظهر الفرح. حلّت ساعة النوم بالنسبة لي، فأنا لم أكن أعرف الوقت مطلقًا، كل ما اعتمدت عليه طريقة ذهنية علّمني إيّاها والدي كي لا أفقد الشعور بالوقت لأطول مدّة ممكنة، وأحافظ على الدقّة في إدراكه. نمت لبضع ساعات، واستيقظت على خطوات الحرّاس العنيفة صوب غرفتي، فأخرجوني منها وتوجّهوا بي صوب المكان الذي دخلته أول مرة، مكان لوحات التحكّم، فقصدني أحد العلماء بالسؤال لقد بدأنا نرصد موجات غير اعتيادية، وقد شارفنا حقًّا على فكّها، ألا تمتلك أدنى فكرة عمّا قد تكون الكلمة عند هذا الموضع؟ فأراني شاشة تملؤها الأرقام التسلسلية والمعقّدة، لكنها بدت مألوفة بالنسبة لي، ولم أُبدِ أيّ ذهول أو دهشة، بل جلست على مقعد قريب وأدخلت كلمة كانت عبارة عن مفتاح وهميّ للشيفرة، كان ذلك من صنعي حتى تطمئنّ قلوبهم ويصدّقوا أنهم شارفوا على بلوغ السرّ. فسعد طاقم العلماء، حتى أن رأس الصفيحة جاء ليكلّمني في الموضوع، وحول صفقتنا، وما قد أرغب به لكي أتعاون مع العلماء لإنهاء الأمر، فكان لي طلب واحد من نوع خاص، طلبت أن يأخذني ثلاثة من كبار العلماء في جولة حول المكان، شريطة أن يكون تخصّص العلماء في هذه المجالات: التشفير، والهندسة العكسية، ونظرية الأعداد، وكانت حجّتي أني حلمت دومًا أن أتبادل أطراف الحديث مع أمثالهم بينما أجول مختبرًا حقيقيًّا. تمّ قبول طلبي واعتباره طلبًا طفوليًّا ساذجًا، ولم تُؤخذ الحيطة منه كثيرًا، تجوّلنا من قسم لقسم ومن آلة لآلة، حتى بقي لغرفة التحكّم الرئيسية بضعة أمتار، فبعثت موجة للجهاز في جثّة أبي كي ينتقل للمرحلة الثانية، ويطلب إدخال رمز ما، لكن هذه المرة كان هناك مؤقّت، وأرقام الزمن نفسها مشفّرة، فيتعذّر على من هو غير أخصّائيّ في مجال التشفير أو الأعداد أن يفهم الأمر، فتمّ استدعاء عالِمَي التشفير ونظرية الأعداد بشكل مباشر، فلم يفكّرا حتى بدآ الركض عائدَين لمركز التشفير. فبدأت أهمس بصوت مرتفع قليلًا لا بدّ أنهم سيتقاضون على هذه المرحلة أجرًا محترمًا، كونهم هرعوا لمقرّ التشفير بهذه السرعة، قد يُمنحون شرف الولوج للعائلة حتى… بدأ عالِم الهندسة العكسية، الوحيد الباقي معي آنذاك، يتعرّق والتوتّر بادٍ على وجهه، فطلب منّي بلطف، كما لو أني في السادسة من عمري، ألّا ألمس شيئًا، وأن أتجوّل كما يحلو لي. تركته حتى اختفينا عن مجال رؤية بعضنا، وتوجّهت صوب لوحة التحكّم، كل الأحداث قد جرت في نقطة عمياء تشترك فيها جلّ كاميرات المراقبة، لقد سبق وقلت إنني درست الأمر من كل النواحي *تقريبًا*. قصدت غرفة التحكّم وأنا أتنقّل كالعنكبوت، تارةً بكل هدوء أمام الكاميرات، وتارةً كالسهم في النقاط العمياء، ودخلت، وبدا لي الحاسوب الرئيسيّ أكبر وأعظم مما تخيّلت، فوضعت يديّ في جيبيّ واقتلعتهما من مكانهما لأستعملهما كقفّازات تُخفي بصمتي. لم أكن أحمل معي أيّ جهاز ذاكرة، أو بالأحرى دخلت هذا المكان خالي اليدين، مملوء العقل، فهو الوحيد الذي لا تكشفه كاميرات المراقبة. كانت خطّتي تنصّ على أن أُجري اتصالًا بالخادم الافتراضيّ لوالدي، أو كما يُدعى أيضًا بـالسيرفر، فقد كان عبارة عن برنامج للذكاء الاصطناعيّ قمت بتجهيزه سابقًا لكي تبدأ المرحلة الأخيرة من هذه الملحمة. كاد الاتصال أن يُكلَّل بالنجاح حتى سمعت صوتًا شبيهًا بإطلاق النار، وحرسًا يأمرونني أن أرفع يديّ وأجثو على ركبتيّ، جعل ذلك بدني يرتعش، وكل ما جال بخاطري هو أن أُلبّي غريزة البقاء وأفعل ما يأمرون أظنّ أن أمري انتهى حقًّا هذه المرة… يتبع