
4 من 6 · 9 دقيقة
الفصل الرابع
كان عقلي مخدّرًا كلّيًّا آنذاك، فخضعت لأمر الانحناء مباشرة دون أن أستدير ورائي، غير أن الالتواء الذي أصاب كاحلي فيما سبق قد حال دون ذلك، لذا أخبرتهم بالأمر، فلم تصدر منهم أيّة استجابة، بل استمرّوا في تكرار ما كانوا يقولونه في البداية. راودني شكّ مريب عند تلك النقطة في عقلي هل هم رجال آليّون؟ كيف عساهم لا يُبدون أيّة استجابة؟ مخبريًّا هذا مستحيل… كان ذلك ما فتح عينيّ على الحقيقة الحاصلة آنذاك، ورغم كل التنبيهات التي حصلت عليها بألّا أستدير، إلا أني غامرت بورقتي الأخيرة، فالتففت ببطء، فما لبثت أن أكملت التسعين درجة حتى بلغت مسامعي طلقات نار متتالية بصوتها المدوّي، فاكتسح الفراغ جوفي، وبدا الأمر كما لو أن روحي تُمتصّ منّي، كاد يُغمى عليّ من شدّة الرعب، فكوني في السابعة عشرة من عمري قد أعاقني حقًّا في التحكّم بمشاعري. لا أعلم كيف تمالكت نفسي وقاومت الإغماء لأرفع رأسي وأرى ما أمامي، والارتجاف لا يفارق قدميّ، كانت مفاجأة الجنون حينها، لا يوجد شيء من ورائي، محض الباب الذي دخلت منه، أنا الوحيد الموجود هنا، لا يُعقل أن يكون الأمر محض صوت دون كيان، فأنا قد استشعرت وجود جسم في محيطي بكل وضوح، لن أخطئ في شيء كهذا مطلقًا… فبدأت أجول في الغرفة كالمجنون، حتى لمحت عيني آلة غريبة في زاوية المقرّ، فبدأت الذكريات تجتاح عقلي كفيلم مصوّر بطريقة غير احترافية، صور متقاطعة تبدو فيها هذه الآلة وهي موضوعة على رأسي، إنها لم تمحُ ذاكرتي وحسب، بل ثبّتت شيئًا ما داخل رأسي، أنا متيقّن بطريقة ما من ذلك…، كنت حينها قد بدأت أتحوّل لنصف آليّ من كثرة الأجهزة المثبّتة داخلي، فحتى تلك اللحظة اكتشفت ثلاثة، والعدّ لا يزال قائمًا.
ساعدتني تلك الذكريات في فهم فكرة ما، لقد قاموا بزرع آلة كتلك التي وضعها أبي لبثّ الأفكار، لكنها في نسختها المطوّرة واللاإنسانية، فقد عملت على إيهام وعيي بوجود حرّاس في المكان، وحتى جعلي أصدّق أنني أُصبت بالرصاص، ولو كنت خضعت لهم وانحنيت لاشتغلت أجهزة الإنذار وانتهى أمري. كان ذلك عبارة عن جهاز إنذار ذكيّ يكشف الجواسيس والمخترقين، وغيرها من الوظائف التي لم تُتَح لي الفرصة لأتأمّل فيها. تفقّدت الاتصال مع الخادم وغادرت لوحة التحكّم، وتنقّلت بين النقاط العمياء للكاميرات، واصلًا بذلك لغرفة الأبحاث الطاقيّة، حتى أصعق فيها نفسي بما يكفي من الطاقة ليُفقدني الوعي ويُجنّبني أيّ مسح للذاكرة. استيقظت مجددًا لأرى السقف الذي اعتدت عليه للمرة الحادية عشرة، والثانية عشرة… وكل ما أفعله هو المماطلة والاستمرار في ادّعاء مفاتيح مزيّفة لأكسب ما يكفي من الوقت ليستكمل الذكاء الاصطناعيّ عمله. أجل، المرحلة الأخيرة التي انتظرناها جميعًا، حان وقت إجراء اتصال مباشر بعقل جدّي المسجون. كان ذلك في اليوم الحادي والعشرين من مكوثي هناك، وصلتني رسالة الانتهاء من البرنامج، وأنه سيباشر بتشفير وعيي وتجسيده في صورة حياة ما في واقع افتراضيّ، يحمل نفس مواصفات سنتنا، ويتطابق مع واقعنا بنسبة 99.99 بالمائة من الناحية المنطقية، أي يمكنك تسميته بشبه الحقيقة. قام البرنامج بفعل الشيء نفسه مع وعي جدّي الماكث في الغرفة المظلمة.
إنه الحفل، حفل البداية، حيث الكل مستمتع بوقته، حينها لم يتمّ تفسير شيء لك، حان الوقت لأقشع الضباب عن كل تساؤلاتك، استعدّ. لقد تقمّصت شخصية العجوز ذي العينين المجوّفتين، إن كنت تذكره، أجل، كان أنا، لكنه لم يكن الوحيد، تقمّصت عدّة شخصيات في آن واحد، ومن البديهيّ أن جدّي تقمّص شخصية الفتى. كنت أعلم حينها أن العائلة قد أدركت تواصلي مع جدّي وهذا العالم الافتراضيّ، فكان عليّ التواصل معه بطرق وحِيَل ذكية، دون أن تدرك العائلة أيّ شخصية تقمّصت، أو ما الذي أبلغته، وبماذا خرجت. حسنًا، إنه وقت الاحتفال، وأنا متّكئ على عصاي، أنتظر فقط أن يدخل الفتى مجال رؤيتي، وأرى إن كانت الرسالة الأولى ستُفلح في بلوغ إدراكه، وكانت تتلخّص في أكله للحم البقر والملاحظة التي أبداها أخوه، فأثارته، وبدأ في التفكير بعمق فيها. بدت السعادة تنتابني وأنا أعتقد أنه لا حاجة لتدخّلي، وأن الخطّة ستسير وفق النسق الصحيح، فبدأت فرقة موسيقية بعزف موسيقى صاخبة قربه جعلته يفقد تركيزه، راودني الشكّ حول ما إذا كان للعائلة دخل في الأمر، لكني لم أستغرق في التفكير طويلًا حتى لا أدع لهم مجالًا ليسبقوني بخطوة، فاندفعت نحوه بجسدي الضعيف، وأخبرته الجملة المشهورة التي بدأت بها القصة أبلغ تحياتي لأمّك، فقد ساعدتني وصفتها على العلاج حقًّا، فراودت الفتى كل تلك المشاعر التي تحدّث عنها الراوي الآخر في بداية القصة، واستنتج أنه لا وجود للأبقار في المدينة، فكيف له أن يأكل لحمها؟ فكان ذلك نجاح نصف خطّتي في أن أُرجع له ذاكرته التي أفقده إيّاها الزمن الطويل الذي قضاه في الغرفة، عبر أن أجعله يضع فرضية أن أمّه استُعملت في صنع الإكسير لتحصل القرية على بقرة، كان ذلك جوهر الخطّة، فأردت أن أسترجعها، وأقوم بإنهاء حياته البائسة عبر قتله، فهو لم يعد إنسانًا، ولا تزيده الحياة إلا ألمًا. فما إن حاولت أن أُلقي له بجملة أخرى أختم بها كل شيء، حتى قاطعت يدُ ولدٍ في عمره تفكيرَه، وهو يهمس في أذنه بكلمات جعلته يُدير ظهره لي ويُكمل احتفاله متجاهلًا ما أخبرته، كان ذلك بالتأكيد من صنع العائلة لإعاقتي، فاستنتجت أنهم لم يستطيعوا قطع الاتصال، وإلا لضاع وعي جدّي والمعلومات المخزّنة بعقله في فراغ أبديّ.
رغم هذه المحاولة من العائلة، إلا أنهم تأخّروا بضع ثوانٍ كانت كافية ليتذكّر الفتى أمّه، ويبدأ فتيل ذكرياتها بالاشتعال داخله، وهذا ما لم تدركه العائلة. فتوجّه الفتى نحو منزله وأنا أراقبه عن بُعد، راجيًا أن يتوصّل للرسالة كاملة، ومعتمدًا على منطق هذا الوجود الافتراضيّ في معالجة الأحداث، ففتح باب منزله ليجد أمّه ملقاة على السرير، وقربها مجسّم صغير لبقرة، فكانت تلك النقطة التي استرجع فيها جدّي ذاكرته كاملة، لكن ليس عبر خطّتي، فخطّتي لم تتضمّن أبدًا وجود أمّه، بل هم استعادوا ذاكرته في العالم الحقيقيّ دون أن يفعل الفتى ذلك، وكانت هذه أكبر مخاوفي، والتي حدثت بالفعل. تسألني لماذا؟ حسنًا، لأنه كان عبارة عن فخّ، أقوم فيه أنا بتنشيط ذاكرة جدّي، فيحصلون هم على كل المعلومات كونهم متواجدين في العالم الحقيقيّ، وفي المقابل لا يسترجع الفتى أيّ شيء، وأفقد أنا كل شيء بسبب أني في العالم الافتراضيّ. آسف على تعقيد الأحداث، لكني أحاول صياغتها لك بأيسر ما يمكن.
لم أفقد الأمل حينها، فقد كنت مستعدًّا لشيء كهذا، فانتظرت الفتى حتى استلقى على فراشه، فقمت بتخديره وأفقدته الوعي، مما حال دون استكمال العائلة لنقل المعلومات جرّاء الصدمة التي تعرّض لها عقله (أقصد جدّي)، فقمت بالمجازفة بنقل وعيه الافتراضيّ، الذي كان عبارة عن الفتى، إلى جسده الواقعيّ الذي كان ماكثًا في الغرفة، حتى أكسب بعض الوقت وأسترق السمع من إحدى ناقلات البيانات. كل هذه التفاصيل المعقّدة والمملّة يمكن أن تكون حكرًا فقط على مختصّي هذه المجالات، كل ما أريده منك الآن هو أن تفهم أنني قد حصلت على ما يقارب السبعين بالمائة من ذاكرته، وأيضًا على معلومات عن العائلة نفسها، بينما حصلت العائلة على خمسة وتسعين بالمائة من ذاكرته. فقمت بعدها مباشرة بصدم عقله بشحنة كهربائية بتوتّر مرتفع للغاية أنهت حياته، كما سُردت لك، على شكل صوت صدّع رأسه. فهربت من المكان بإحداث تفجيرات في كل الأرجاء، مموّهًا بذلك تحرّكاتي، ومع الغضب الذي كان يتملّك العائلة، فهي لم تستطع تدارك الأمر وإمساكي، بل أفلتّ من الجحيم بأعجوبة.
وأخيرًا قد أنهيت سرد الأحداث الموضّحة لما حصل في البداية، كي أُنهي بذلك جزئي، ويعود إليك الراوي الأول الآن.
هل اشتقت إليّ؟ ظننت أنك تخلّصت منّي بسهولة؟ كلّا، أنت لم تفعل، ها قد عدت مجددًا، لكن قبل أن نستكمل الأحداث دعني ألخّص لك قليلًا ما جرى، حتى لا أرى علامات التساؤل هذه على وجهك من جديد.
رئيس العصابة الرمادية الذي تركتك معه هو حفيد عالِم اكتشف مادّة الإكسير التي تصنع منها العائلة ما تشاء، لكن العالِم، بعد مكوثه لمدّة طويلة في غرفة ما بسبب عصيانه لأوامر العائلة، فقد ذاكرته، فقرّر حفيده هذا أن يسترجع ذاكرته وينهي حياته كي لا تقع في أيدي العائلة، فتستعبد البشرية بذاك الإكسير. طبعًا قام بتحقيق ما أراد تقريبًا، فقد حصل على القصة التي سردها لك، وكذلك على معلومات عن العائلة والإكسير لم يُرد إخبارك بها حتى لا ينفجر رأسك الهشّ. لكنه قد أثار غضبي لأنه غضّ الطرف عن تفاصيل صغيرة لكنها مهمّة، كمن يكون هو الذي قال لك في وقت سابق روحه المعلّقة، وأخبرك أن تنسى أمر التقويم الكونيّ دون إعطائك السبب، فلم يتحدّث أبدًا عنه، وأنا أيضًا لن أفعل، فذلك ليس من شأني، ذلك حقّك أنت، ولن أطالب أنا به من أجلك. دعنا من الثرثرة الآن، ولنترك هذا لوقت لاحق، دعنا نتقدّم في الزمن لنبتعد عن هذه الحرب القائمة، تحديدًا إلى يوم اجتماع العائلة. دعنا ندخل من الباب الرئيسيّ ونُلقي التحية على أفراد العائلة ونجلس معهم في الاجتماع، لا تقلق، فأنا من معارف أبيهم الأكبر الذي بدأ العائلة، أنا لا أخضع لقوانين الزمان والمكان، أنا فقط شبه موجود (هذه كانت محض نبذة عنّي). لا تسألني لمَ يرتدون أقنعة مدبّبة وأجهزة غريبة على صدورهم، سيأخذ منّي الأمر وقتًا طويلًا لأشرحه. سيبدأ الاجتماع الآن، أنصت جيدًا، فمصير البشرية على وشك أن يتغيّر… يتبع