
5 من 6 · 8 دقيقة
الفصل الخامس
بفضل ما سبّبه لنا حفيد ذلك المريد الخالد من متاعب، تأخّرنا عن تحقيق هدفنا لعقود إضافية، لكن أنتم تعلمون أتمّ العلم أن عائلتنا لم تخسر ولو لمرة واحدة، ولا يوجد هدف وضعته نصب عينيها ولم تبلغه. اليوم نحن قد أنهينا مشروعًا دام طويلًا، اليوم سنعيد كتابة التاريخ، إنه ميلاد "الهوموسبليتوس"، عائلتنا ستبقى آخر عائلة من البشر على وجه الأرض، ولا أريد أن أسمع أحدًا يلفظ كلمة "بشر" بلسانه، بدءًا من الآن نحن "الصُّنّاع".
لقد كان هذا خطاب الرئيس الأعلى للعائلة في اجتماع التاريخ، كما سيسمّيه المؤرّخون في كتبهم في المستقبل، لربما تجد اسمك أيضًا هناك، أمزح، أنت لا وجود لك، وكذلك سيصبح البشر في هذا العالم، لن يبقى لهم وجود، فكما سمعت أذناك فإن العائلة تخطّط لمحو شكل الحياة الحاليّ المسمّى البشر من الوجود. أعلم أنك الآن تُكنّ للعائلة في قلبك ما يكفي من الغيظ لتُبيدهم، لكن دعني أخبرك أن العائلة ليست أبدًا في الجانب الشرّير من القصة، ولا الخيّر أيضًا، لا توجد جوانب في الحقيقة، الخير والشرّ نسبيّان، لا وجود للسيّئ والجيد إلا داخل عقلك. لطالما أوهمتم أنفسكم أيها البشر أنكم أنتم محور هذا الوجود، مما ولّد لكم حسًّا من الاعتقاد بمثالية تفكيركم، لتخلقوا مصطلحَي الشرّ والخير، وتؤمنوا أنهما مطلقان يستحيل الخروج عن نطاقهما، فواقع مزيّف يخدم مصالحكم خير لكم من حقيقة كونية لا تستطيع أجسادكم الهزيلة أن تتحكّم بها. أنا لا أقدّم لك محاضرة الآن حول الفلسفة الوجودية أو العدمية، أنا فقط أحاول أن أُدير عدسة الكاميرا بالزاوية المثالية حتى يبدو لك المشهد كاملًا مكتملًا، وتتخلّص من الانحيازية التي لاحظتها على وجهك منذ بدئك للقصة، عليك أن تكون حياديًّا حتى تفهم ما يجري من هنا فصاعدًا، فلا أنصحك بالاستمرار إن كنت لا تزال تحمل في باطنك ذرّة غرور، أو اعتزاز بالذات، أو احتقار… فكّر قليلًا ثم قرّر.
حسنًا، يبدو أنك إنسان حياديّ سيكمل معي هذا المشوار، وكهدية منّي لك سأشرح لك ما حصل بعد قصة حفيد العالِم حتى وقتنا الحاليّ. بعد هروبه من مقرّ العائلة للأبحاث، وهو يحمل معلومات مهمّة، قام بجمع بعض الأشخاص الحاقدين على الحاكم وعلى مؤسّسي الملهى آنذاك، والذين لم يكن أحد يعلم عن هويّتهم شيئًا. مرّت السنوات حتى استطاع الفتى، أو قائد العصابة، أن يضمّ إلى صفّه ما يكفي من المؤيّدين لقلب الطاولة، فقرّروا في إحدى الليالي المقمرة اقتحام مرأب الملهى للحصول على الدوائر التي يُصنع بها الإكسير، لكن بسبب الخونة تسرّب الخبر للعائلة، فقامت العائلة بإمساك أفراد العصابة، وحقنهم بأمصال تسبّب الهلوسة والاضطرابات الذُّهانية، وقد تعرّضوا لسلسلة من التعذيب المكثّف والتجارب اللاإنسانية لما يكفي من الوقت ليفقدوا عقولهم وهم أحياء. لكن الرئيس قد فرّ بطريقة مريبة في غياب الحرس بعد سنتين من الجحيم، ليقوم بوضع كامل ذكرياته المتبقّية ومعارفه في كتاب ختمه في مغارة عميقة تحت الأرض، ليموت بعد شهرين مباشرة من فراره، إثر افتقار جسده لنوع من المركّبات التي كانوا يحقنونه بها كل يوم. فلم يُعثر على الكتاب إلا بعد خمسين سنة من الحادثة، حيث عاد الملهى لابتلاع البشر بشكل مروّع خلال تلك المدّة.
كانت العاثرة على الكتاب فتاة في ربيع عمرها، فقدت معظم عائلتها في الملهى، يبدو الأمر دراميًّا، أعلم، دعني أكمل. استغرقت هذه الفتاة ما يقارب السنتين لفكّ شيفرات الكتاب والتعرّف على ما يحاول الكاتب إيصاله. كان المحتوى أغرب من الخيال، لم تُستنزف حياة الرئيس هباءً، ولا حياة كل أتباعه، وقد استحقّت هذه المعلومات كل تلك التضحيات، لقد كشف عن هيكلة الملهى وطريقة عمله بدقّة، حتى أنه أدرك وجود محطّة كاملة لإنتاج الطاقة النووية تحته عبر دمج ذرّات الهيدروجين، وكان يقول فيه أيضًا إن العائلة تحضّر لمشروع لاستبدال البشر بمخلوقات أكثر انصياعًا للأوامر منهم. استغلّت الفتاة ذكاءها في اقتحام الملهى، لكنها هذه المرة تعلّمت من خطأ الكاتب الذي أعماه حقده وثقته المبالغ فيها بالذات، فقد كانت هذه الفتاة تمتاز بشيء كان الآخر يفتقر إليه، لقد كانت من العدميّين الذين لا تهمّهم حياتهم إطلاقًا، والذين يسيّرهم المنطق بشكل مباشر، ولا تتدخّل المشاعر في قراراتهم، فهم لا يمتلكونها حتى.
لذا دخلت الملهى في هيئة لاعبة اعتيادية، صاعدةً بذلك إلى الطابق الخامس عشر، حتى أدخلت مجموعة من الأرقام في آلة ما، لتبدأ صافرات الإنذار بالعمل فجأة، وتدفع الآلة فيبدو لها باب كما ذكر الكتاب، باب مظلم تدخله دون أدنى خوف. كان الباب يقود لغرفة الطاقة، فقامت بإعداد لوحات التحكّم، حتى سمعت الحرس قد بلغوا مكانها، لتُخرج مسدّسًا وتطلق النار على رأسها، وتترك العدّ التنازليّ في آخر عشر ثوانٍ له. مُحق تقريبًا نصف البلدة ومن عليها في ما يقارب 300 جزء من الثانية، فمعمل الطاقة كان بمثابة قنبلة هيدروجينية تنتظر من يفعّلها.
لم يُدرك أحد حتى الآن السبب وراء ما فعلته الفتاة، كان تصرّفًا غريبًا للغاية، فهي قد محت الملهى، وفي نفس الوقت محقت ملايين البشر في السياق نفسه، فلا يمكن اعتبار ذلك انتقامًا عاديًّا، لكنني كنت أعلم أن الفتاة أرادت أن تتّخذ موقفًا محايدًا عبر الانضمام لموقفين متقابلين يلغي أحدهما الآخر، فيكون الناتج عدمًا. فأنا من أرشدها نحو الكتاب.
لا تظنّ أن أمر العائلة قد انتهى جرّاء انفجار كذلك، فهي كانت منتشرة في العالم أجمع، ولم يكن الملهى إلا تجربة من تجاربها على البشر، وحتى كل ما حكيته لك من أحداث حول الإكسير والعالِم وغيره لا يشكّل حتى العشرة بالمائة من مخطّطات العائلة، والتي قد حان الوقت لأحدّثك عنها، وأُفشي لك بعضًا من أسرارها، رغم أن ذلك قد يكلّفني حياتي، أمزح، فلا حياة لي.
إنها عائلة بدأت مع كائنات وُجدت قبل البشر، وأقلّ تطوّرًا منهم، في زمن غابر، وقد شهدت شخصيًّا على أول من بدأها، حيث أقسم على أن يُفني حياته في تطوير بني جنسه، وأن يقوم بمحقهم في فترة معيّنة من حياتهم تكون فيها قد تطوّرت نسخة أكثر ذكاءً من السابقة، غير أنه لاقى رفضًا مباشرًا من المجتمع القديم، لذا تمّ نفيه لما كان يسمّى بـالفراغ الأبديّ، حيث كانت ظروف العيش صعبة بما يكفي لتنهي حياة أيّ كائن في غضون أسابيع معدودة. لكن هذا الشخص لم يكن كائنًا عاديًّا، بل كان بشريًّا، فاستطاع النجاة لعشر سنوات أخرى، قام فيها بتدجين حيوانات مكثت معه في ذلك المكان، درّبها بطرق مثالية، مشكّلًا بذلك جيشًا استعمله أثناء عودته من المنفى، مهدّدًا كل بني جنسه، فتقبّله المجتمع وانصاع لقدرته المهيبة في التحكّم والسيطرة على الوضع، وكان لزوجته وابنه أيضًا دخل في تمهيد الطريق له، فقد بدت عليهما أيضًا علامات البشر الأولى في التخطيط والمراوغة والنفاق. فكانت تلك بداية العائلة وحكمها المباشر آنذاك، ليبدأ بنشر القيم الإنسانية وحبّ التملّك والسلطة، فأورث هذه المهمّة لابنه، وتوالى الأمر وصولًا للجيل 320، الذي كان آخر جيل تتواجد فيه هذه المخلوقات الأقلّ شأنًا من البشر، فقاموا بإبادة جماعية لكل من أبى الدخول في حكم العائلة، وتنازلوا عن الحكم المباشر ليختبئوا وراء الحكّام، أو البيادق التي يضعونها، حتى يتسنّى لهم التخطيط بكل دقّة، فهم يخشون النوع الجديد الحاليّ (البشر)، والذي يمتلك خاصية التحليل والمعالجة.
حكمت العائلة العالم لقرون، بل لآلاف السنين، جيلًا بعد جيل، حتى قرّروا أن يكون الجيل الحاليّ آخر جيل للبشر بصفة عامة، لكن هذه المرة لن يدَعوا أنفسهم وسط نفس الدائرة مع الكائن الجديد، بل قاموا بتخصيص مكان لهم فوق كل شيء، فقرّروا تسمية هذا الكائن بالهوموسبليتوس، والذي يمتاز بقدرة تحليل أعلى بكثير من سابقه، وإدراك كلّيّ لواقعه، وفي نفس الوقت مجرّد من الأحاسيس والإرادة، وكذا من وعيه بذاته، أي أنه كان آلة حيّة، وما يفرّق بينه وبين الآلة هو قدرته على التكيّف والتكاثر، وعدم حاجته لتلقّي الأوامر، كونه يعرف المسار الصحيح ولا يخطئ مطلقًا.
كان هدف العائلة وراء كل هذا تطوير البشر الحاليّين وكبحهم عن محق الطبيعة واستنزافها لإشباع مصالحهم، بل عوضًا عن ذلك فهي ساهمت في جعلهم أقلّ إرادة لأنفسهم وأكثر ابتغاءً للمنطق، فإن تُركوا على حالهم لن يمضوا فترة طويلة قبل أن ينقرضوا، فقط بسبب جشعهم. أنا لا أطلب منك أن توافقهم الرأي، فلا تنسَ أنك كائن حياديّ في خضمّ كل هذه الفوضى، لكن لا تقلق، سأجعل لك دورًا في القصة فيما بعد.
لم ينتهِ الاجتماع بعد حتى أصاب صاروخٌ موجَّه المبنى، ليموت كل أفراد العائلة المتواجدين هناك… يتبع