جحيم الجنةالفصل السادس

6 من 6 · 11 دقيقة

الفصل السادس

كان الأمر مدبّرًا من طرف معارضي العائلة كالعادة، فمن قد يوافق على فكرة إبادة بني جنسه وتعويضهم بكائن آخر؟ غريزة البقاء كان لها حضور قويّ في هذه الأحداث، لكنهم لم يُلحقوا بالعائلة ولا أدنى خدش. لا تعتقد أن من كانوا في الاجتماع هم الأعضاء الحقيقيّون، اضطررت أن أخبرك كذلك حتى نتمكّن من الحضور دون أن يشكّوا بنا، لكن الآن بعد أن أعلنت البشرية الحرب على العائلة، فهم سيردّون بالمثل، وسنشهد أنا وأنت أشدّ الحروب الطاحنة التي خاضها البشر، فعندما نتحدّث عن إبادة جنس كامل فالأمر ليس كشرب كأس من الماء، أجل، إنه ليس كذلك، وليس أيضًا كضغط زرّ في لوحة التحكّم بالصواريخ النووية، فذلك سيخرج عن السيطرة في لحظة، وقد يتسبّب في إبادة الهوموسبليتوس أيضًا، الكائن الجديد المطوّر، الخالي مما تسمّونه بالأحاسيس.

لذا قرّرت العائلة ألّا تجعل هذه الحرب حكرًا على البشر، لماذا قد يحتكر البشر وحدهم هذا الحدث العظيم؟ لقد فكّرت في استعمال نفس الفكرة الأولى، حيث استعمل أبوهم الأكبر، كما قصصت لك، الحيوانات من شتّى الأنواع ليحكم بني جنسه في ذلك الحين، أجل، لقد عمدوا إلى استعمال الهوموسبليتوس في الحرب. أنت لا تتصوّر أبدًا كيف عسى لكائن أن يعمّر الأرض بعدما كان أول نزول له عليها مشاركةً في الحرب، أول ما سيراه هو الحرب، كما لو أن مولودًا صغيرًا وُلد في الحرب، ومهمّته القضاء على آبائه وبني جنسه السابقين. تعتقد أن هذا سيؤثّر في الهوموسبليتوس؟ كلّا، لن يفعل، الوحيد المتأثّر في الأمر هو أنت، إنها كائنات منزوعة الأحاسيس، ستحلّل الوضع وستطبّق المنطق المطلق.

ألقِ نظرة حولك، نحن في ساحة معركة بعد خمسة أشهر من واقعة الصاروخ الذي أوقف الاجتماع، البشر مُلقَون كالسمك النيّئ على الأرض، لا يمكن حتى إبصار الأرض من كثرة الجثث، لكنها ليست الوحيدة الملقاة على الأرض، يبدو لك كائن غريب أصلع الرأس بعينين كبيرتين ملقًى كذلك، والكثير منه أيضًا. أنت لن تفهم أبدًا الوضع مهما شرحت لك، وستصف قصتي بالمعقّدة والغامضة كالعادة، لذا فقد طوّرت آلية جديدة من أجلك فقط، سأجعلك تشاهد الأمر من جهة البشر تارة، وتارة أخرى من جهة الهوموسبليتوس، لذا ركّز جيدًا وأغمض عينيك، كلّا، لا تُغمضهما، أمزح. لنبدأ بجهة البشر.

نقيب يتكلّم أغلقوا البوابات، وعزّزوا الجنود على السطح، وانقلوا إليهم الذخيرة، لن يدخلوا القاعدة إلا على جثّتي فيردّ عليه أحد الجنود حسنًا سيدي، نحن على أتمّ الاستعداد لفداء البشرية بأرواحنا، فقد مررنا بأشدّ الأزمات التي شكّلت تهديدًا حقيقيًّا بانقراضنا، لكنّنا ننجو في كل مرة بإرادتنا كان هذا الخطاب مؤثّرًا، غنيًّا بنبرة الشجاعة الجيّاشة والبسالة المحكومة. بدأ الهوموسبليتوس بالزحف شيئًا فشيئًا نحو قاعدة البشر، والرؤوس تتطاير في كل مكان، لكن هناك شيء أشدّ غرابة يشدّ انتباهنا، أمر لا يمكن تصديقه، لمَ عسى الهوموسبليتوس مجرّدين من الأسلحة؟ يبدو أنهم يزحفون كما لو في انتحار جماعيّ، أجل، هذه الصورة التي ستتبادر لذهنك كونك إنسانًا، وستبدأ باحتقارهم لغبائهم أو ضعفهم، لا بأس، ما دام الأمر في صالحك يمكنك الاعتقاد به. لكن دعني أخبرك أمرًا، للهوموسبليتوس تفكير مغاير تمامًا لما تعرفه أنت، لذا سأكون لطيفًا هذه المرة، وسأفصّل لك أمر الهوموسبليتوس جيدًا وبكل دقّة، ولتعلم أنه أهمّ جزء في هذه القصة، فكل ما اختبرته من أحداث سيصبّ الآن في نهر الجنون هذا.

الهوموسبليتوس كلمة لا أعرف أصلها اللغويّ، ولا أعتقد أن العائلة تعرفه، سُمّيت بهذا الاسم مخلوقات مطوّرة، مخلوقات تمّ تجريدها من الأحاسيس مقابل تعزيز القدرة على التحليل والاستنتاج الآنيّ، كما سبق وذكرت. لكن ما الغاية من كل هذا؟ وهل هذا حقًّا سينجح؟ ألا يبدو كفيلم خيال علميّ أو ما شابه؟ حسنًا، ظاهريًّا، أجل، هو يبدو كذلك، لكن في جوهر الفكرة هو مختلف تمامًا، حتى أن الخطّة التي على وشك أن تُنفَّذ ليست كتلك المرسومة في عقلك الذي يعشق التحيّز.

بعد قرون من الحروب الطاحنة، والتي عادةً ما تتكرّر أسبابها التافهة، والخسائر الفادحة التي تسبّبها على الأرض، قامت العائلة ببحث عميق عن جوهر السبب، أو الشرّ المطلق. استمرّ البحث لقرون، وقد شاركت شخصيًّا في أحد فروع البحث، لكني تجنّبت استكماله حتى أحافظ على حياديّتي، وإلا لطُردت من عملي كراوٍ. في كل مرة كانت العائلة تقترب من الشرّ المطلق القابع وراء كل هذه الكوارث، كانت تجده متأصّلًا من شرّ أكبر منه، استمرّ الأمر على هذا النحو لمئات الأعوام، حتى استسلم كثير من الباحثين (والذين أُعدموا لاحقًا)، ظنًّا منهم أن هذا البحث يؤول إلى اللانهاية، لكنهم كانوا على خطأ تامّ حينها، الهدف كان قريبًا، هم من كانوا يخطون خطوة للأمام وأخرى للخلف، فبدا الأمر كما لو أنهم في حلقة مغلقة. والشخص الذي أوحى بهذا التلميح كان نفسه من بدأ العائلة، ذلك الرجل الذي حكيت لك عنه في الفصل الخامس، ترك كتبًا مشفّرة في منزله لم يستطع أحد فكّ تشفيرها آنذاك، حتى تعمّقوا كثيرًا في البحث لينكشف عنهم الضباب الذي يلفّ الكتاب الممتلئ بالأسرار والحِيَل التي ستختصر عليك الطريق أيًّا كان هدفك، فتعلّموا منه كيف يبلغون الشرّ المطلق ويتخلّصون منه، من خلال النصّ التالي، ولا تسألني كيف حصلت على الكتاب:

الظلام والنور كيانان عظيمان آمنت بهما الكائنات الحيّة منذ الأزل، على حسب اعتقادنا على الأقل، إنهما رمز الوجود بالنسبة لنا، يرقصان عبر الماء والسماء، ممثّلَين الخير والبلاء، فلطالما مثّلنا هذا الوجود بشريط مقسّم لنصفين، أحدهما أبيض والآخر أسود، كان التقسيم جليًّا وواضحًا، مما لم يترك لنا أدنى مجال للشكّ، أو بالأحرى للتطوّر. طوال مهلة مكوثي في الفراغ الأبديّ حيث نُفيت، حاورت الطبيعة، حاورت الوجود، فعوضًا عن تقديسه، أنا فهمت آلية عمله، طوال مدّتي هناك لم أفوّت أيّ شروق للشمس أو غروب، دوّنت في عقلي هذه اللحظات يومًا بعد يوم، لكني لم أعثر، ولو في يوم واحد، على خطّ ما قد فصل بين الليل والنهار، أو الظلام والنور… أو الأبيض والأسود.

كان هذا الخطاب القصير كافيًا ليغيّر مجرى التاريخ، خطاب من العبقرية ما لم أرَ مثله يومًا، كيف عسى لشخص مثله أن ينقل لنا فكرة ضبابية من عالم الخيال إلى واقعنا، وفي زمن كذلك؟ لطالما احترمت ذلك الرجل وارتعبت من قدراته.

حتى ألخّص لك الأمر، فمن خلال الخطاب استنتجت العائلة أنه لا وجود لما يسمّى بالخير والشرّ، وأن البحث عن الشرّ المطلق غلط يُدعَّم بغلط آخر، فقد محوا الخطّ الفاصل بين الأبيض والأسود، وهذه المرة مثّلوا الوجود على هيئة لون أسود تقلّ حدّته تدريجيًّا كلما اتّجهنا من اليمين إلى اليسار، حتى نصل أخيرًا للون الأبيض، فهنا أنت لا تستطيع رؤية الفاصل، أليس كذلك؟ دعني أُسقط لك الأمر على أرض الواقع في مثال حيّ: لدينا شخصان، الأول قاتل، والثاني يحبّ أن يرمي القمامة على الأرض، من الناحية القانونية كلاهما مجرمان، إذن فحسب التمثيل الوجوديّ السابق سيتمّ تصنيفهما في اللون الأسود، أي أنك قد ساويت لتوّك بين من يرمي القمامة ومن يسلب الناس أرواحهم. هذا توضيح بسيط للغاية قد يساعدك في فهم الأمر، فلا وقت لديّ لأمنحك مثالًا متكاملًا، فالأحداث الرائعة على وشك أن تبدأ. دعنا نكمل التفسير الآن، بعد أن أدركت العائلة هذا الأمر فكّرت في حلّ مجنون وعبقريّ، يتجلّى في دمج كلا لونَي الشريط، وتقسيمهما بالتساوي على مساحته، والناتج هو الرماديّ. بما أن الصراع دائمًا ما يكون بسبب عدم توافق الآراء، وعدم قبول أحد الأطراف بالتنازل عن فكرة لإنهاء المجزرة، فكّرنا أنه لو انتهجنا التقسيم الأفقيّ عوض العموديّ في تكوين الهوموسبليتوس فسيكون أفضل في تصريح لأحد كبار العائلة.

لا تجزع أرجوك، سأشرح لك التقسيم الأفقيّ والعموديّ والفرق بينهما. التقسيم العموديّ هو التقسيم الحاليّ المعتمد في كونك وكوني وجلّ الأكوان، وهو الذي تكون فيه الكائنات مختلفة من ناحية القدرات والمهارات، فيتمّ تصنيفهم حسب هذه الأخيرة، وتكون السلطة لمن يمتلك أكبر عدد منها، وهذا موجود في نظام البشر بشكل جليّ. أما التقسيم الأفقيّ فهو تقسيم ابتكرته العائلة، يقوم على جعل كائنات الصنف نفسه متماثلة من حيث القدرات والمهارات بطريقة دقيقة للغاية، مما يحتّم عليهم تكوين مجتمع تعاونيّ اشتراكيّ لا أفضلية فيه لأحد، فبذلك سيندثر مفهوم الحرب والصراع للأبد. للتوضيح، فالعائلة لم تكن تملك تحكّمًا في قرارات الهوموسبليتوس، فقد كان يتّخذ كل قراراته بنفسه. لكن ما يجعل هذه الفكرة جنونية، وتسبح في بحر من التناقض، هو أن تطبيقها يحتاج إلى الصراع، صراع مع البشر. دعنا نعود الآن للأحداث المشوّقة.

هذه المرة نحن في زاوية الهوموسبليتوس، وها هم ذا في مقرّهم يتهامسون فيما بينهم، دعنا نسترق بعضًا من السمع. لم يحِن الوقت أبدًا لحمل السلاح، هدفنا الوحيد والأوحد هو تحقيق الخيار الأمثل، وفي حالتنا يُعتبر البشر النسخة البدائية منّا، لذا يجب علينا القبض عليهم أحياءً وتطويرهم، فإبادة كل تلك العناصر الحيّة مضيعة، ورغم أننا نفقد جنودنا باستمرار، إلا أنه الخيار الأمثل. أعتقد أنك مندهش بعض الشيء، وأنك قد بدأت تفهم الهوموسبليتوس شيئًا فشيئًا.

استولى الهوموسبليتوس على جلّ مخازن الأسلحة التابعة للبشر لإيقاف الصراع، لكن، وكالعادة، أبى البشر أن ينصاعوا لحكم جنس آخر، بعدما ترسّخت لديهم فكرة عظمتهم في الوجود، فاقترح الجنود على النقيب أن يقدّموا أنفسهم رهائن مقابل استعادة مخزن أو اثنين للأسلحة، وفي نفس الوقت تدميرها لئلّا يستعملها أيّ أحد من الطرفين، فلم يكن البشر على اطّلاع بطريقة تفكير الهوموسبليتوس. فوافق النقيب على الأمر، وكادت الصفقة تُكلَّل بالنجاح، غير أن الهوموسبليتوس لم يكونوا يتّصفون بالنزاهة أو غيرها، فبالنسبة لهم الخيار الأمثل هو الأصحّ، لذا قاموا بهجوم خلفيّ على القاعدة، وقبضوا على كل الجنود، محاصرين بذلك النقيب في زاوية، والرعب يتملّك جسده في أشدّ المواقف رعبًا على الإطلاق، مئات الكائنات المقيتة تحتشد حولك وأنت في أشدّ حالات عجزك. كلّا، هو لم يكن كذلك، فقد كان مثبّتًا بجوار صدره جهاز كذاك الذي عند معظم أفراد العائلة، كان يحوي قنبلة هيدروجينية يدوية ستمحق الوجود على بُعد آلاف الكيلومترات، وكان قد تخلّل عقله ما يكفي من الجنون ليشغّلها، رغم إدراكه بتواجد عشرات المخيّمات الطبية ومساكن اللاجئين من أطفال وعجائز، لكنه فضّل شرف الإنسانية على المنطق. ما إن لمس صدره حتى اقتلعت رصاصةٌ كفّه، رصاصة صديقه الذي أدرك أنه لا مفرّ لهم من التطوّر، غير أن أحد الهوموسبليتوس قد مزّق هذا الجنديّ بدعوى العنف بعد تحليله للوضع. سقط النقيب على الأرض من كثرة النزيف، فتوجّه إليه أحد الهوموسبليتوس ليعالجه…

توقّف… توقّف… أوقف الزمن… أنا الآن قد أوقفت الزمن لأجلك، وجعلت لك تجسيدًا حيًّا يتكوّن من نصف إنسان ونصف هوموسبليتوس في خضمّ هذه اللقطة المثالية أمامك، واضعًا بيدك زرّ القنبلة الهيدروجينية للمحق. هذه هي صورة النهاية، سأريها لك بطريقة أوضح قليلًا.

هذه دائرة بقطر 30 كيلومترًا، يوجد على يمينك في أقصى الدائرة معسكر طبّيّ لعلاج ضحايا الحرب، وفي الجهة المقابلة أطفال يلعبون في الشارع، لا ذنب لهم، وفي نفس الوقت لا نفع منهم، ومن جهة الشمال مقرّ الهوموسبليتوس الذين يريدون حكم العالم بالمنطق، وتحتك مباشرة مركز الدائرة وجوهر الصورة، الذي يظهر فيه جنديّ مسحوق على الأرض، رمى رئيسه بالرصاص واقتلع كفّه بعدما حاول محق المنطقة، ليحاول هوموسبليتوس علاجه من الضربة، وأنت المحور، تركت لك الزرّ لتحكم بنفسك في خضمّ هذا التناقض المزخرف، والجنون الذي يكتسح رأسك. سأدع لك مفاتيح الزمن أيضًا، يمكنك تشغيله متى شئت، لأنني سأستقيل من هذا العمل المتعب، وقد وجدت فيك خير شخص أنقل له هذه المهمّة، فهذه القصة كانت بمثابة غسل لذهنك من أفكار التحيّز، اصنع كونك الجديد الآن، فمن الآن فصاعدًا أنت الراوي…