
1 من 4 · 6 دقيقة
الفصل الأول
اعزف يا موزارت، ولتُسدَل ستائر النهاية، فقد بلغنا المشهد الأخير، كان هذا آخر ما سُمع في الأرجاء قبل صوت الطلقة النارية المدوّي.
يوم مشمس وعصافير تغرّد، كلّا، هذا من نسج الخيال، لأن دخان المصانع حجب جُلّ ضوء الشمس، وصخب البشر ألغى زقزقة العصافير وكتمها، مكان مزدحم يهوي بك في قعر التوتر. يدفع بجسده المُنهَك نحو أقرب موقف للحافلات ليرتاح، امتصّ منه جوّ الموت هذا رغبته في الحياة، إن سبق وامتلك واحدة. يوم من العمل دون أدنى راحة، تراه في انعكاسه على الأرض باديةً عينه الفارغة تلك، لا داعي لأن أعيد هذا الوصف، فهو نفسه يتكرّر عبر كل ما أقصّ من رعب في هذه الأسطر المعدودة، سأدعك هذه المرة تختبر ذاك الوصف عوضًا عن قراءته. دعنا نعود لبطل قصتنا المغوار، يبدو أن هناك صوتًا يتردّد في باطنه أنّى لفتى نشيط سابقًا، طفلٍ ودود ماضيًا، مُفعَم، تدبّ الحياة عبر عروقه، محمرٍّ وجهه الآمل، أن يصير هذا الجسد البالي الفارغ؟ دعني أُعيد الصياغة، أنّى لك أن تبيع روحك له؟ شغّل السمفونية الرابعة، فموزارت معنا…
يوم جديد يحلّ على رفيقنا، في أجواء مماثلة لتلك التي سبقته، لم يكن يطمح حقًّا للتغيير، فطور تعتليه القهوة هو ما كان بحاجته ليتوجّه لعمله، والذي تمثّل في التحقيق. أجل، لقد كان محقّقًا يتوجّه نحو مركزه كل يوم، حسنًا، أنا لن أقول إنه كان مُجِدًّا، ولم يكن متهاونًا أيضًا، كان يقوم بما يُملى عليه حرفيًّا، ولا تستشعر وجوده بالمكتب إلا عند الإغلاق، فقد كان لا يشعر بمن حوله بدوره، منعزلًا عن الكل حتى يُغلق المركز. معظم القضايا التي كانوا يتلقّونها قضايا بسيطة كالقتل والاغتصاب، لم تكن تصلهم تلك القضايا الضخمة والمعقّدة كمعارضة الرأي العام أو محاولة التفكير، لذا فالعمل كان يسيرًا، خاصةً أن القتلة لم يكونوا هدفًا مطلوبًا من طرف المركز، بل إن نصف العاملين كانوا قتلة ساديّين. لا داعي لأن أخبرك بما يحصل لمن يدخل سجن المركز، لا أرغب في جعل قصتي أكثر عفونة مما ستبدو. أظنّ أني قدّمت لكم تمهيدًا جيدًا عن البطل، سأدعه يكمل بنفسه، فأنا منشغل بالتصوير، لكني سأعود، تذكّرني.
أنا لا أملك حقًّا الكثير من الطاقة كالتي بدا الراوي يملكها، لذا إن كنت تفكّر كثيرًا وتطرح الأسئلة باستمرار فستقع في مشاكل معي ومع المركز، ولن تخرج منها إلا بشعر أبيض. حسنًا، لا أعلم لمَ تركك معي ذلك الغبي، ليس لديّ ما أُريك إيّاه، لا أمتلك قرودًا لأجعلها ترقص كما ترى. انتظر، أظنّ هذا السمين سيقطع سخريتي البائسة، إنه من أعزّ أصدقائي – أيها الميت، لدينا عمل لك، نريد أدلة زائفة لأجل مغتصب الأطفال هذا، لقد دفع مبلغًا محترمًا، جهّز الملف قبل الليل كي لا تمضيه مع صديقك الذي حاول إثبات أن القتل جريمة منهيًا جملته بقهقهة عالية، أرأيت؟ قلت لك إن الأشخاص هنا لُطفاء، أو عساي لم أفعل؟ لا يهمّ، ستكتشف الأمر بنفسك. والآن عليّ القيام بشيء صغير، دعنا نتصل بأحد معارفنا القدامى، مرحبًا سيدي، أنا المحقّق الذي فبرك الأدلة الزائفة عن القاتل الذي أنهى حياة طفلَيك، لم أتوقّع أن أجدك على قيد الحياة، هذا مثير. ماذا؟ تودّ قتلي؟ صديقي، أنا ميت، لا طائل من ذلك صدّقني. دعنا من كل هذا، لديّ صفقة رائعة، أنت الآن فقدت طفلَيك، وزوجتك انتحرت، وصرت مدمنًا على الكحول، ولا شيء يسدّ الفراغ العاطفي في قلبك الآن، وترى نفسك على حافة النفَس الأخير، أليس كذلك؟ لكن أخبرني، ألا تخشى الموت قبل الثأر؟ كنت تعيش حياة هانئة، ألا تودّ أن ترسل قاتل طفلَيك للجحيم كما فعل هو بك؟ الآن تبدو مهتمًّا، بينما كنت تودّ قتلي لبرهة، غريب أمركم أيها البشر. لا بأس، اسمع جيدًا، أنا أملك موقعه الحالي وتفاصيل كافية للإطاحة به، سأرسلها لك. كلّا، لا أريد أيّ مقابل مادي، نحن الموتى لا نتعامل بعملتكم أيها الأحياء، نحن نتغذّى على أرواح أمثالك. أكّد لي موافقتك باستلام المهمة وسأرسل لك ملفًّا يتضمّن كل شيء، بالإضافة إلى خطة شديدة الدقة، اتّبعها بحذافيرها، الإخلال ببند منها سيؤدي بك إلى الوقوع في أيدي هؤلاء الساديّين حولي، وسيستمتعون بفصل لحمك عن عظمك. حسنًا، يبدو أنك متحمّس، أرسل جملة من اختيارك بعنوان المركز، لا تقلق، هم لا يلاحظون أيّ شيء حولي، وأعدك أن حياتك ستتحسّن بعد هذا
لقد تعبت، يا لها من مكالمة طويلة، عليّ أن أطالب برفع أجرتي. تريد أن تعرف الخطوات التي طلبت من ذلك السيد المحترم اتّباعها؟ شغّل التلفاز بعد قليل وستعرف.
لقد عدت، أنا الراوي، أعلم أنك اشتقت إليّ، عدت بسرعة لأنني نسيت أن أخبرك بالاحتراس من بطلنا المغوار، فقد يغمرك خيره حتى الموت، وسأحرص بنفسي على سيرورة الأمور. لا بأس، لقد أنهى عمله هنا ويبدو عائدًا للمنزل، لا تحاول سؤاله عمّا يرسله لأصدقائه، فهو لن يخبرك، فقط دعنا نتبعه ونتحقّق مما يجري. منزله أنسب لتشييع جنازة منه للعيش. انظر، شيء مهمّ يُبثّ على التلفاز حريق في مبنى بالضاحية مع العثور على جثة مقطّعة، والخبراء يقولون إن العمل قتل مستهدف مع انتحار الجاني، والعثور على تسجيل أخير للجاني نستعرضه الآن: لقد وثقت بك، لكنك أخذت روحي ثمنًا لهذا… لقد وثق به، لماذا خانه؟ لماذا قتله؟ بمَ هدّده؟ ما الذي يجري؟ كل هذه تساؤلات تُصدّع رأسك، صحيح؟ سأدعه يجيبك، فيلتفت بطلنا نحوك قائلًا أنا لم أخنه قطّ، وفّيت بوعدي تجاهه، وأنا لم أقتله، لقد أنهى حياته بنفسه، كل ما منحته هو غاية، دافع، أوضحت له الرؤية بعض الشيء. لن أنكر أن الخطوة الأخيرة تطلّبت الشجاعة لضغط الزناد على رأسه، لقد منحته وقتًا كافيًا مع هدفه ليفعل به ما يشاء ويثأر، الشيء الذي ما كان ليحصل عليه يومًا، وكان سيعيش في ألم أزليّ، كل هذا بضغطة زناد بسيطة. لماذا كل هذا الغضب البادي على وجهك؟ لقد خلّصت العالم من قاتل أطفال، وأزحت عن عاتقي عمل الغد لتحضير ما طلب السمين منّي، مقابل روح بائسة. إن بدا لك هذا جنونيًّا، فنحن في بداية الحفلة، وموزارت لن يملّ من العزف حتى أُثبت لك وجود نور معتم…
انفجر طابق بطلنا… يتبع