نور معتمالفصل الثاني

2 من 4 · 6 دقيقة

الفصل الثاني

انفجر طابق بطلنا، ورائحة الحريق تعمّ المكان، لا أحد يدري ما يجري، فقط دخان يبلغ رئتيك وذهول بادٍ على وجهك يشلّ حركتك. يبدو لك أن الانفجار كان مدوّيًا، ويستحيل الإفلات منه، تنتظر بفارغ الصبر أن يظهر بطلنا زاحفًا من الجحيم وقد نجا من الكارثة بأعجوبة، كأننا في قصة خيالية، لكننا لسنا كذلك، بطلنا قد مات. لكن دعني أضيف تفصيلًا بسيطًا، هو لم يمت جرّاء الانفجار، ولم يمت اليوم حتى، لقد مات منذ زمن بعيد. إن اشتقت إليه فقط دعنا ننتظر الغد ونزوره في مكتبه كما اليوم، سيستقبلنا بسرور بتلك الضحكة القاتلة مجددًا.

أجل، إنه الصباح، أنا من يتحكّم بذلك، دعنا نطرق بابه قبل الدخول، من أنت؟ يسألك بطلنا في استنكار، يبدو أنه لم يتعرّف إليك، لكن ما يثير ريبتك الآن هو كيف عساه لم يُخدَش حتى، وما بال هذه الملامح، لقد رأيتها نفسها البارحة. أعلم أن الأمر يزيد الطين بِلّة، أنت لم تفهم حتى ما جرى من أحداث مع ذاك الرجل الذي أفرغ المسدس في رأسه ولماذا، ثق بي، سيتّضح الأمر. أنت قد وافقت أن تجذّف معي في قارب المعاناة منذ الوهلة الأولى التي بدأت فيها قراءة أسطر الشؤم هذه، لذا لا تتذمّر من فضلك، سأُخرجك من القصة وسأضع مكانك شخصًا آخر يرافق بطلنا حتى يتسنّى لك إدراك ما يجري.

إنه فتى في العشرين من عمره، جديد بالمركز، تمّ قبوله لاجتياز حصص التدريب الأولية المُلزَم بها، ولحسن حظه تمّ وضعه مع بطلنا في نفس المكتب. هل ستظلّ متسمّرًا في الزاوية؟ أجبني من أنت قبل أن أنهي هذه المقابلة قبل أن تبدأ فيجيب الفتى الجديد بصوت متذبذب وخوف جليّ أنا فقط متدرّب جديد تمّ تعيينه كي يكون معك وحسب، أرجوك أن تعلّمني مما تعرف…، بدت على عين بطلنا المغوار نظرة خائبة ثم أخرى فارغة، ليختمها بضحكة واضعًا يده اليسرى على وجهه ومقهقهًا أنّى لهذا الكون أن يكون أكثر عبثية مما هو عليه، ما بال كل هذه الضوضاء… مضيفًا بعد ثانيتين وبضع أولًا، أنا لا أعلم كيف خُيّل إليك أن تكون متدرّبًا بمركز كهذا، ألم تشتمّ رائحة الموت فور دخولك؟ ثانيًا، صحيح أن معظم البشر هنا ساديّون، والعمل معهم ضرب من الخيال، لكن دعني أؤكّد لك أن العمل معهم يظلّ أفضل مما هو معي بمراحل… استغرب الفتى كثيرًا وقال أنا رأيت كم هو فاسد هذا المركز، ورغم الرعب الذي هزّ عظامي إلا أني لم ولن أتخلّى أبدًا عن هدفي في تطهير هذا المركز، وقد أمّلت الخير فيك، فحتى لو أنهم يدعونك بالميت، إلا أني على ثقة بالنبض فيك - قاطعه بطلنا أحقًّا ما تقول؟ دعني أُريك شيئًا قد يغيّر رأيك أمسك بطلنا سكينًا على مكتبه كان يستعملها لتقشير التفاح أحيانًا، وغرسها في عنقه، وبدأ الدم يتناثر حول المكان، تراجع الفتى خطوتين للوراء وهو في هلع شديد، استمرّ المشهد الدموي دقائق كاملة حتى انتهى جسد بطلنا من التقطير، ولا يزال الفتى في حيرة بالغة من أمره بعدما رأى فعل الجنون هذا دون حتى أن يرمش، لكنه فور أن رمش رأى بطلنا على كرسيّه كأن لم يحدث شيء، وسكين التفاح في يده، فلا أثر لقطرة دم في المكان. بدت أقدام الفتى تحمله بمشقّة، انزلق ببطء على الحائط حتى سقط جالسًا على الأرض وهو لا ينفكّ عن التمتمة، حتى نطق بطلنا مجددًا أنا لا أعرف من تكون، لكن يمكنني الاستنتاج، وسأوضّح لك كل شيء. بدايةً، لا بدّ أنك شخص حاولت أن أُريه ما أنا عليه فأُغمي عليه بعد أن أدرك، لذا سأشرح لك ما حصل. أنا لست إنسانًا طبيعيًّا، ولست من نسج الخيال أيضًا، أنا شخص حقيقي، بل وأشدّ حقيقة من الحياة كلها، هذا لأنني الموت شخصيًّا، أنا قدّاس الموت الأزليّ، لا أستطيع الموت، ولا تتأثّر الوقائع بي كثيرًا، سرعان ما يُنسى أمري، يُلاحَظ وجودي في الساعات الأولى ثم يُنسى أمري حتى أزور أرواحكم، بعدها أمكث في ذكراكم للأبد متجسّدًا في دورة الحياة والموت الأزلية. أما بالنسبة لي فأنا أنسى كل شيء بعدما تنتهي نسخة من حياتي، أتجدّد، أو يمكنك القول بأني أعيش على حياتكم أيها البشر، لذا فمرافقتك للموت حرفيًّا لا تبدو فكرة سديدة يا فتى، غادر المكان واجعلني أزورك في وقت قريب غير هذا، غايتك في تطهير هذا المكان ضرب من الخيا- لن تتخيّل ما يجري يا صديقي القارئ، لقد قاطعه الفتى بعينين غير تلك الخائفة، عينين تمتلئان حقدًا وكرهًا، واقفًا منتصبًا، رافعًا رأسه ببطء، مخاطبًا بطلنا أنا لن أدع شخصًا أيًّا كان يقف في طريقي لتحقيق غايتي، حتى وإن كان الموت نفسه فيردّ بطلنا هذا مشوّق، أنت أول من يعرفني ويمكث متحدّيًا، سمعت عمّن يجابه الموت، لكني لم أسمع عمّن جابهوا القدّاس نفسه، دعني أُثني عليك وأُرسلك في رحلة قصيرة… أدار السكين بيده للناحية القاطعة وتوجّه بها كالسهم نحو الفتى، أتدري ما جرى؟ أجل، لم يقتله، أوقف السكين على بُعد سنتيمترات من عين الفتى، لكن ما يحيّر العقل هو أن الفتى لم تهتزّ شعرة من بدنه، وأبقى نظرة الغرور تلك على محيّاه في هدوء جامد، فيقول بطلنا أنّى لغاية أن تكون بهذه الصلابة؟ لا بدّ أنه انتقام، لا بدّ أنك تقف فوق أشدّ القصص حزنًا وبؤسًا، كم قُتل من أصدقائك؟ هل عذّبوا والديك أم أنك كنت ضحية أيضًا؟ قُصّ عليّ… أنت مثير أيها الفتى نظر الفتى في عين بطلنا، واعتلت وجهه ضحكة مجنونة، وقال لا أحتاج انتقامًا باليًا حتى أبلغ مبتغاي يا عبد الموت، وحدهم الضعفاء من يختبئون خلف الغضب والحزن ليحقّقوا آمالهم. إن كنت أنت الموت، فزّاعة الأرواح، فأنا أجسّد الفخر شخصيًّا، أشقّ الرعب الأزليّ الذي تزرعه في البشر، لنعمل معًا ولنرَ، هل الفخر أشدّ شموخًا… مُكمِلًا البطل أم أن الموت أشدّ هولًا…

إن التاريخ يكتب نفسه الآن، فمعركة أزلية تحتدم في باطن الكون، أكمِل يا موزارت، فأنت لها…