
3 من 4 · 7 دقيقة
الفصل الثالث
متى سينتهي هذا الألم؟ ألم يَحِن الزمن فيُنهي هذه الملحمة؟ أم عليّ أن أوقف هذا الأنين بنفسي؟ أجل، لن يسمعني أحد، سأظلّ أصرخ في جوف اليأس دون ردّة فعل من أحد، حتى هم لن يتدخّلوا، حتى من وثقت بهم ومنحتهم حياتي لن يتكبّدوا عناء مشاركتي هذا الألم، أنا وحدي من سيفعل. ربما سأُسمّى بالفاشل لاحقًا، وربما سأُذكر على ألسنة الناس بذاك الجبان الذي أسدل الستار قبل النهاية، وستلعنني الحياة نفسها، لكن من يأبه؟ أنا سأغادر هذه الديار، وسيتوقّف وعيي للأبد، ولن أسمع ذاك الأنين مجددًا، فليقولوا ما أرادوا. يا له من يوم شاقّ، أعتقد أنني سأرتاح قليلًا. كل ما سُمع مجددًا هو طلقة الزناد…
يا له من صباح منير لبدء فصل جديد من العتمة! بطلنا المغوار والفتى ذو الفخر يتشاركان المكتب نفسه حسب ما رويت سابقًا، يشغّل أحدهما التلفاز فيظهر خبر انتحار فتى في العشرين من عمره، وسرعان ما يلتفت الفتى لبطلنا بنظرة الغضب تلك قائلًا لا بدّ أنه كان أحد ضحاياك، كيف عساك تؤول بنفس بريئة لهذه الحالة… قاطعه بطلنا بنظرة من اللامبالاة أنا لم أفعل شيئًا، هو فقط تمنّى أن يلقى الموت ليحادثه عن بؤسه، فما كنت لأرفض طلبًا كهذا، لقد أنهكته الحياة فقدّمت له الدعم، ونفس الشيء سأفعله معك إن احتجته…
توقّف الفتى عن الحديث والغضب يملأ ملامحه، وهو يعرف أنه يواجه قوة مهولة، ومحاط أيضًا بكومة من الساديّين في المركز، فليس بوسعه فعل شيء. خرج من المكتب بعد أن ضاق صدره مما رأى على التلفاز، وتلك النظرة البائسة التي كان بطلنا يرمقه بها كانت لتُفقد المرء صوابه لو كان شخصًا عاديًّا.
حلّ اليوم الثاني والفتى لم يعد للمكتب بعد، الثالث والرابع ولا أثر له، ورغم أن بطلنا كان على يقين أنه لم ينتحر بعد، غير أن الفضول راود قدّاس الموت بشكل جنوني حتى صار يحصد الأرواح بعشوائية متناهية في المدينة لإخراج فتى الفخر من جحره، فبالنسبة لبطلنا تلك كانت أول مرة يجد فيها لنفسه متحدّيًا ومتعة في الحياة منذ فجر الوجود. لكن رغم محاولات بطلنا المتواصلة إلا أن الفتى لا يُلقى له أثر، بدأ قدّاسنا يُقنع نفسه أن أمر الفتى قد انتهى بطريقة أو بأخرى، وعاد لنسخ أيامه كما اعتاد. حتى سمع في يوم صافرات الإنذار تعمّ المكان، والشرطة تطوّق المركز من كل ناحية، وأناس بلافتات يُقدَّر عددهم بالآلاف يهتفون بأمور لم تكن واضحة لبطلنا، فقد أرعبه ما يجري، وبدا كما لو أن أشدّ مخاوفه ستتّخذ شكلًا ماديًّا على الأرض. وفور أن صعد للسطح ليستطلع ما يجري، اقشعرّ بدن قدّاس الموت للمرة الأولى وتراجع خطوة للوراء، لقد كانت الشرطة تقبض على كل الفاسدين بالمركز، والفتى يعتلي حشد الناس ذاك، والذين كانت أعينهم تتّقد حماسًا، ونبرتهم مغمورة بإرادة الحياة الصافية، ومجابهتهم لأشدّ القوى رعبًا، عن أفراد المركز المجرمين أتكلّم، لم يكن أحد يجرؤ حتى على ذكر أسمائهم، فقد أبادوا جماعات بأسرها. تشنّج بطلنا وقال في صراخ مجنون ما بالكم تهتفون كما لو أنكم ستعيشون للأبد أيها الحمقى؟ حتى وإن اتّحدتم وانتصرتم اليوم فغدًا ستفترقون، وستموتون في وقت ما لا محالة، ما بال كل هذا الفرح؟ ألم تكونوا تلعنون حياتكم قبل وهلة وتنتظرون من القدّاس أن يزوركم؟ أم أن وهم الفخر قد تملّك عقولكم؟ يا أيتها الآلات البيولوجية، الحياة ليست باليوتوبيا، إنها ملحمة من الألم، أوقفوا هذا الهتاف! لم يكن أحد يُعيره اهتمامًا أو يسمعه حتى، فالرغبة في الحياة هناك كانت أشدّ منها في الموت، فتجاهلوه كما تتجاهل أنت فكرة فنائك يوم فرحك. إلا فتانا، فتى الفخر الذي كان يرمق القدّاس من بعيد بنظرة الفوز ممزوجة بالاحتقار، قائلًا من فوق عمود مرتفع هل اعتقدت أني حقًّا فنيت؟ لن يفنى الفخر إلا بعد أن يزرع نفسه في قلوب الأحياء. ودعني أخبرك شيئًا، تذكّر أن غايتي كانت فقط القبض على أفراد المركز الفاسدين، أليس كذلك؟ لقد فعلتها في أول محاولة لي، غير أني لم أُشبع رغبتي الدفينة في الفوز بعد، حرّفت هدفي الآن، لقد صارت إبادتك أولوية بالنسبة لي، سأجعلك تندم على قبولك طلبي لأكون في نفس مكتبك، أنا الفخر، سأ- قاطعه بطلنا بضحكة مجنونة مجددًا، تلك الضحكة التي يبرع فيها اليائسون
لا تغترّ بنفسك يا فتى، أنا فقط أرخيت دفاعي قليلًا، بالإضافة إلى ذلك، من قال إنك نجحت في أول محاولة؟ دعنا نترقّب نتائج فعلتك ببطء، أنا سأجعلك دميتي الأزلية التي سأنتزع منها إرادة العيش، يمكنك النظر للأسفل قليلًا، أعتقد أن الحفل قد بدأ. فور أن ألقى الفتى عينه بكل ثقة على سيارة الشرطة والناس ملتفّون حولها، انفجرت، والتهمت ألسنة النيران كل الملتفّين حولها، ثم توالت انفجارات من كل النواحي. لقد كان أفراد المركز يزرعون أجهزة داخل أجسادهم، عبارة عن قنابل موقوتة يتمّ تفعيلها في حالة الخطر، فقد كانوا على علم أنه لو تمّ القبض عليهم فسيلقون أشدّ العذاب جرّاء أفعالهم، فبدا لهم الموت بتلك الطريقة أهون. لم يصدّق الفتى ما يجري، وسرعان ما نزل لتدارك الأمر، لكن الانفجارات لم تتوقّف أبدًا، فحتى المركز صار يتداعى من هول النيران، وبطلنا يشاهد من أعلى مقهقهًا ألم تقل لتوّك إنك انتصرت؟ لمَ الرعب بادٍ على وجهك الآن؟ هوّن على نفسك، لقد تحقّقت غايتك ومحقت أفراد المركز، لمَ كل هذا الحزن؟ لم يوقف قهقهته العالية إلا بعد أن هوى المركز وهو معه في ألسنة النار. فصار الفتى في خضمّ كل ذلك يصرخ ويأمر المحتشدين بالرجوع خطوة للوراء، لكن الأوان قد فات، والنار قد أحاطت بالمكان، وبدا أن الهزيمة قد أحاطت به هي الأخرى، حتى ارتسمت بسمة الفخر تلك على وجهه، وصعد العمود مجددًا، وصرّح بكل ثقة يا أيها الناس لا تفزعوا، اليوم هو انتصارنا وفوزنا، وما تلك الأرواح التي أُبيدت إلا فخرٌ لنا وعزّةٌ لهم، فلا تتركوها تذهب مهبّ الريح، احموا الأطفال والنساء، وحاربوا كما لو كانت حياتكم أبخس من فخركم، فلم يُخلّد التاريخ يومًا معركة دون تضحية دبّ الحماس في المحتشدين، وباتوا يحاولون إخماد الحريق بشتّى الطرق حتى أفلحوا في النهاية، بعدما أُزهقت عشرات الأرواح في خضمّ كل ذلك. خرج بطلنا المغوار، أي قدّاس الموت، كونه غير فانٍ، ووضع يده على كتف فتانا قائلًا هل تعدّ هذا نصرًا؟ أنت حصدت أرواحًا أكثر مما أفعل أنا في يوم واحد فأجابه ليست الحياة أو الموت ما يهمّني، بل تلك الغاية التي تنتزعها من البشر هي ما سأسترد، انظر حولك لأعين كل هؤلاء، رغم كل ما تكبّدوا من خسارة إلا أن الفوز في هذه المعركة قد صنع لديهم رغبة جديدة في العيش وأضاف أيضًا أعلم أنك يا قدّاس الموت تفتقر لتلك الرغبة أشدّ الافتقار، وتتّقد في قلبك نيران الغيرة جرّاء ذلك، لكني سأكرّس حياتي كي لا تنزعها من البشر، وسأنزع منك منجل الحصد ذاك أيضًا ردّ عليه وهو ينظر عاليًا في السماء لا أعلم حقًّا من تكون يا فتى ومن أرسلك، لكني لن أدعك تلعب دور الطيّب فقط لأنك توهم الناس ببضع كلمات معسولة، أنت تسبّبت اليوم بمقتل وإصابة المئات، بينما لم أفعل ذلك أنا في حياتي، بل لطالما خفّفت على المرضى آلامهم وعلى المنهارين حياتهم، أنا لم أبدأ الحرب معك بعد، لكني سأفعل الآن، ففي أسوأ الأحوال ستموت، وفي أحسنها أيضًا…