
4 من 4 · 3 دقيقة
الفصل الرابع
هل اعتقدت حقًّا أني توقفت؟ هل تصوّر لك يومًا أن صوت القدّاس ستكتمه تمتمة البشر البائسة؟ حتى وإن اعتقدت، فالقدّاس لا يأبه، سيبثّ صوته مجددًا وسيزرع الخوف في روحك كما عهد. كم يا تُراك ستتجنّبه؟ أقصد الموت حرفيًّا، يومًا؟ يومين؟ شهرًا؟ سنة؟ هو سيداهم وعيك في النهاية، ستستلقي في وقتٍ ما على فراشك والسعادة تملأ عينك، بينما يمرّ شبحه يتربّص بروحك. متى أجلي؟ هل حقًّا سيلامس رأسي التراب؟ كم سألبث… يبدأ قلبك في الخفقان على نغمة اللاكريموسا المتسارعة، تُدير عينك حول المكان كالمستغيث أنجدوني، ماذا حلّ بك يا غلام؟ أو ماذا حلّ بكِ يا فتاة؟ ما بالك؟ لم يطلب أحدهم حياتك حتى الآن، فلمَ الفزع يلفّ وجهك؟ لمَ قطعت خطّ سعادتك الفاني من دون سبب؟ آسف، أظنّني ذكرت السبب لتوّي دون أن أشعر، أهو لأنك اطّلعت على الحقيقة لبرهة؟ سعادة زائفة؟ ليست السعادة هي الوحيدة الفانية يا بُنيّ، أو يا بُنيّتي، أنا حقًّا لا أميّز بينكم، أحبّكم كلّكم فردًا فردًا، وأزوركم بين الفينة والأخرى أُنير أفئدتكم وأتمتّع بأوجهكم تلتوي انزعاجًا منّي. هل خُيّل إليك أن الفخر سينجيك منّي؟ النجاح؟ المال؟ الجاه؟ العِرق؟ والداك؟ أصدقاؤك؟ معلّمك؟ مجتمعك؟ إيمانك؟ عقلك؟ أنت؟ كلّا يا صديقي، أنا مطلق، لا أعلم متى وُلدت ومتى سأبتلع سمّي، لكنّي سأجاورك بشتّى الوسائل وأكثرها طربًا، فجأةً كانت أو مرضًا، حادثًا أو حربًا، كارثةً أو انتحارًا، رصاصةً أو خنجرًا، سيخترق منجلي صدرك عاجلًا أو آجلًا. لا تنزعج منّي أرجوك، أنا فقط أجدّد عهد صداقتنا الأبديّ. أتعلم؟ رحتُ أطّلع على تقدّمكم أيها البشر، فرأيت بعضكم يصارعني ويمدّد من عمره ولو كان على حساب إنسانيته. أردت أن أقول لهم شيئًا واحدًا: أتعلمون من أنا؟ أنا قدّاس الموت، أجل، وقد كنت بشريًّا مثلكم يومًا حسب ما أذكر، لكنّ متتالية الوجود تقاربت بي إلى هذه البقعة الأبدية المعتمة، ولستُ الوحيد، هناك العديد منّي، لكنّ أحدًا منّا لا يدري عن الآخر غير حقيقة وجوده، لأننا لا نكترث، لا نكترث لغير البشر. البشر هم غنيمتنا، وتعطّشنا لبتر وجدانهم متعةٌ لا يطالها إلّا قدّاس هَرِم، وليس لأيٍّ منّا رغبة في إنهاء ميت. فيا من أطلت من عمرك عنوةً، أنا أرفع لك قبّعتي احترامًا كونك دخلت عالم الموت دون تأشيرة أو مساعدة منّي، فقط امضِ في طريقك، فربما تصير مثلي يومًا، فحتى أنا لا أدري كيف فعلتها. يسألني أحدهم مجددًا: ما غايتك من هذا؟، اسأل المادَّ حياته عن سببه، فإن كان غير الجنون فأخبرني كي ننهي حفل موزارت هذا، فقد طال كثيرًا.
لا أصدّق أنني أكرّر الأمر مجددًا في هيئة مربّي أطفال، أحقًّا أيها الكون؟ أتمازحني؟ حسنًا، ما بال هذا الصبيّ تعلو وجهه نظرة الحقد تلك كما لو أنه يعرفني؟ يا فتى ما بالك؟ أتريد أن أنادي طبيبًا؟، يجيبني قد توقّف النبض فينا، لكنّ الفخر متأصّل بنا، نحن جند الكون، فخر الوجود، دعه يكمل المعزوفة، سنطيل الليلة…، بضحكة مجنونة يهمس القدّاس أجل، اعزف أكثر، الجنون لن ينتهي ما دام هذا الكاتب والقارئ أحياء
فسقط منجله لأول مرة منذ فجر التاريخ…